معادلة المصالحة: 2 + 1
لا يخفى على ابن الأمة العربية أن لقضاياها أبعاداً تتجاوز اللسانَ الواحد والحقيقةَ الجغرافية والتاريخية إلى أبعاد أخرى يغلب عليها التصارع والتضارب.
ورغم ذلك هناك من حين لآخر دعوات إلى المصالحة العربية. وها نحن اليوم أمام هذه المعادلة التي ترتكز على ثلاث دول، فالسعودية ومصر، عرَّابتا الاعتدال، تهدفان إلى تقليص الدور الإيراني وإيجاد دائرة للمصالحة العربية، أما الدولة الثالثة في المعادلة العربية فهي سوريا التي ترتكز في تحالفها الإقليمي على إيران.
الإحساس بخطورة وضع الأمن العربي في اجتماع وزراء الخارجية العرب بدا واضحاً في دعوة وزير الخارجية السعودي إلى رؤية مشتركة للخطر الإيراني، وإشارة سمو الشيخ عبدالله بن زايد إلى ضرورة منع أطراف غير عربية من التدخل في القضايا العربية، وهو ما لا يُرضي دمشق لأن طهران حليفٌ مهم لها، وأكد أمين عام الجامعة العربية أن اختلاف العرب حول إيران لا يزال مستمراً.
سوريا ترى أنه لا سلام في المنطقة دون مروره من بوابتها مدركةً أنها تملك ورقة فصائل المقاومة الفلسطينية، لاسيَّما "حماس" باعتبارها ورقة سورية أكثر منها إيرانية، ولها أيضاً علاقات مع "حزب الله"، وإن بوكالة إيرانية، أي أنها تملك أوراقاً سياسية وأيديولوجية تلعب بها في فنائها الداخلي وفي المنطقة.
ولعل الذي أعطى سوريا زخماً في دعم خيار المقاومة هو احتلال العراق الذي جعل واشنطن تطرق أبواب دمشق التي أصبحت ممراً مهماً للمقاتلين مَنَحها نفوذاً في العراق بدأت فعاليته تقل في الوقت الحاضر. وتعطي إيران بعداً دولياً لسوريا أيضاً من خلال ما تمثلهُ طهران من ورقة روسية أمام تجاهل واشنطن دورَها ومصالحها الدولية، ناهيك عن أن موسكو ما زالت ترى في قضايا الوطن العربي ورقة لتحقيق بُعد جغرافي سياسي في المنطقة تناطح بها واشنطن.
وإذا سلَّمنا بأن طهران محور إقليمي ودولي، فإن بُعد السياسة الخارجية لدمشق سيَخدم بقاءَ تحالفهما، فقد ظلت سوريا منذ حافظ الأسد تسير على استراتيجية الصبر والتأني ترقُّباً لحدوث تغيرات في ميزان القوى العالمي أو الإقليمي يحقق لها تواجداً أكثر فعالية في الطرح والمساومة على قضاياها أو حتى قضايا الوطن العربي، وبقيت هذه الاستراتيجية مع الأسد الابن إلى حد ما مع سقوط بغداد 2003 ثم حرب إسرائيل على لبنان 2006 وأخيراً حرب غزة.
ورغم صعوبة تقليص حضور طهران في قضايا المنطقة إلا أن الحديث عن تحقيق مصالحة عربية يكمن أساساً في تحقيق مصالح مشتركة، فالانقسام الفلسطيني الذي يعبِّر عن حال الدول العربية الذي استغلته إسرائيل لضرب غزة -وهي بذلك تضرب "حماس" تحديداً المحسوبة على سوريا وإيران- أصبح محرِّكا لمصر والسعودية لرأب الصدع بالانفتاح على دمشق، وهذه الحال تنطبق على لبنان واستقراره داخلياً خارجياً.
لا شك أن التدخلات الإيرانية في قضايا العرب وفلسطين تحديداً ثم لبنان والعراق وما تمثله من خطر أمني على الخليج من خلال المذهب والولاء وما يمثله الملف النووي من اختلال ميزان القوة بشكل كبير في الخليج والمنطقة، يحتِّم أن تطرق السعودية ومصر الباب السوري وتجلى هذا في تبادل الزيارات بين المسؤولين السوريين والسعوديين تُوِّجت بدعوة بشار الأسد لزيارة الرياض.
أما رؤية سوريا للمحورين الإقليميين، السعودية ومصر، فتتأتى من علاقتهما بواشنطن، فأي محادثات قادمة مع إسرائيل بشأن الجولان يجب أن ترعاها أميركا، ووجدت أن الرياض والقاهرة قادرتان اليوم على الضغط على واشنطن لبدء هذه المحادثات أو تأخيرها إلى أن تسنح الفرصة، ولعل ما سيحمِل البيتَ الأبيض على الأخذ بهذا الخيار اليوم هو تعقيد ملفات الشرق الأوسط واعتبار هذا الخيار مفتاح السلام في المنطقة، إلى جانب نفوذ روسيا المتصاعد وظهور إيران كقوة إقليمية توسعية، وأخيراً الأزمة الاقتصادية.
أخيراً، لعل سياسة الترقب والتأني والاعتماد على المتغيرات الدولية أوجدت لسوريا موقعاً إقليمياً ففرضت نفسها من خلاله عربياً ودولياً.