شد بين الرياض وطهران
على ماضٍ يتجدد، عندما رحل آخر انتداب بريطاني من منطقة الخليج، وضعت الولايات المتحدة استراتيجية العمودين المتساندين، إيران والسعودية، لحفظ الأمن في الخليج، وقد أُسند لإيران الشاه الدورُ الأمني الأكبر وسُلِّحت بسرعة وبقوة واستحقت لقب "شرطيِّ الخليج"، وكانت واشنطن تراها حليفاً يمكن الوثوق به للتصدي للشيوعيه وضبط الأمن في منطقة حيوية واستراتيجية في العالم. أما السعودية، فكانت ثقلا كبيراً في سوق النفط مع بعدها الديني المناهض للشيوعية والفلك الروسي، كما أن العلاقة الأميركية- السعودية أتت من ثلاثينيات القرن العشرين، حيث وجدت الرياض في واشنطن دولة كبرى صاعدة لا تحمل في ذلك الوقت فكراً استعمارياً لما أقرَّته مبادئ ويلسون. وكان النفط والعلاقات التجارية أساس العلاقة، مع التصدي للمد الشيوعي فيما بعد، ولم يكن هناك مسعى لنشر مبادئ الديمقراطية.
أما العراق، القوة التي استثنتها واشنطن من استراتيجية العمودين، فكان مع الكتلة الماركسية، ويسعى إلى لعب دور قومي اشتراكي.
بعد اندلاع الثورة الإيرانية، سقطت استراتيجية العمودين المتساندين، ثم قامت حرب الخليج الأولى لتُبنى علاقات جديدة وإطار آخر يقوم على الأمن، فنشوء مجلس التعاون وقَبلهُ التقارب الحتمي مع العراق في المواقف والدعم الذي جاء من ذلك الهاجس الأمني. لكن ما أن اِنتهت حرب الخليج الأولى حتى أتت حرب الخليج الثانية لتؤكد أن ميزان القوة في إقليم الخليج لا يستطيع تحقيق معادلة الأمن. وبعد هذه الحرب والوجود الأميركي في الإقليم واحتلال العراق وسقوط نظامهِ، ما زال هناك هاجس خليجي يبحث عن الأمن. وما زال هذا الهاجس يمثل إطاراً يفسير الأحداث منذ عقود خلت. فزيارة وزير خارجية إيران إلى دول الخليج جاءت لطمأنتها -خاصة على سيادة البحرين- ولتحاول رأب الخلافات بتغليب المصالح التجارية، ولتشجيع التعاون أيضاً بين إيران والضفة العربية من الخليج، فكل ذلك مرده الهاجس الأمني الذي اعترى إيران مؤخراً.
أما عن الحبل المشدود بين طهران والرياض، فيبدأ من توجس إيران من أن المملكة تجمع الدول العربية على فكرة مواجهة الخطر الإيراني من خلال تسمية هذا الخطر وتعريفه ذهاباً إلى مواجهتهِ، فهذا الاعتقاد وشد حبل العلاقات الإقليمية إضافة إلى التكتل الدولي وعقوباته الاقتصادية، أصبح يقلق طهران في أمنها ومصالحها.
إيران، وإن بدت جادة في التقارب، فهي لا تقدِّم له دليلا، إذ ترفض اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في قضية احتلالها الجزرَ الإماراتية الثلاث أو الاتجاه إلى حوار ثنائي ينهي المسألة الشائكة بين الدولتين، يضاف إلى ذلك وضع لبنان الداخلي والقضية الفلسطينية، ووضع العراق الداخلي. وجدير بالذكر أن التصادم في ذلك أيضاً بين البلدين يعني التصادم مع جميع العرب. فإيران خامنئي لا تريد أن تتنازل عن تدخلاتها في هذه المناطق؛ لأنها ترى نفسها في مشروع إسلامي شيعي جمهوري إمبراطوري؛ ولذلك تخاطب المسلمين في طموح تحرير فلسطين التاريخية، لكنها ترى في منطقة الخليج ظَهراً ربما يُستغَل لاحقا، فهي تدير الأموال وتحصُل على الكثير من البضائع من المنطقة، وتدرك أن تشديد الخناق الاقتصادي عليها يستوجب علاقات مع جيرانها تستمر بأدنى حد من الأجواء الإيجابية التعاونية، وعليه فالبحث عن دول الخليج خاصة السعودية كان في خلد صانع القرار الإيراني الذي يعلم جيداً أنها تتكتل مع محيطها العربي لإقرار كيفية مواجهة الخطر الإيراني، وهو ما سيزيدها بُعداً عن العالم العربي، وبالتالي سوف تصبح في صلب الأمن العربي بعد أن نَقلت الخطرَ من محيطها الجغرافي إلى المغرب العربي وما تلاه من قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية معها على خلفية محاولات إيرانية لنشر المذهب الشيعي وسلوكاتٍ أخرى منافية للأعراف الدبلوماسية.
لقد دخلت طهران البيت العربي، لكنها وجدت الرياض تقف لها بالمرصاد، لتستحيل نظرية العمودين المتساندين حبلا مشدوداً بين البلدين، أحدهما ينازِع القوى الكبرى النفوذَ في بيت عربي واهن، بينما يحاول ثانيهما نسج خيوطه من جديد.