تركيا... خط عبور أوباما
زار الرئيس الأميركي أنقرة متماشياً مع سياسته التي بدأها وهي التقارب مع العالم الإسلامي، ولعل في هذه الزيارة أبعاداً استراتيجية مهمة وكبيرة، فهي زيارة إلى دولة إسلامية علمانية النهج لعبت دوراً مهماً في الحرب الباردة واعتبرت صمام أمان في ذلك الوقت ضد الشيوعية، دولة لها قوة وتمركز وموقع إقليمي وبعد تاريخي وإرادة سياسية ومصالح مهمة، دولة احتضنت الأقليات في شعبها، دولة ترى واشنطن أن عليها أن تأخذ دورا محورياًّ مع مصر والسعودية في حل ملفات الشرق الأوسط.
تصريحات الرئيس التركي التي جاءت مع أحداث غزة وفيها قوله إن تركيا احتضنت اليهود فيما مضى وهي قادرة على احتضانهم حتى الآن، ثم ما حدث بين الرئيسين التركي والإسرائيلي حين رفض الأول أن تكون وجهة النظر الإسرائيلية المتطرفة هي المسيطرة على أروقة الحوار أكثر من غيرها، وفي ذلك إدراك من أوباما أن تركيا مستاءة من إسرائيل التي حاد ساستها عن السلام بعد أن أصبحت تركيا وسيط سلام بين الدولة العبرية وسوريا، وبعد أن تحقق شوط مهم في مسار السلام العربي الإسرائيلي.
ونستطيع الجزم بأن واشنطن ترغب في تحفيز أنقرة للعب دور في الشرق الأوسط، وهذا يسهل قراءته من تصريحات أوباما الأخيرة التي أشاد فيها بدور الإسلام في الحضارة العالمية، وقال إنه لن يفتح ملف مذابح الأرمن ليعطي فرصة لمصالحة تاريخية بين تركيا وأرمينيا. وجدير بالذكر تأكيده أن دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ليس محدداً للعلاقة التركية الأميركية، كما قال إن لتركيا دوراً مهماًّ في المنطقة.
لقد استجدت على الساحة ملفات مهمة، منها خروج القوات الأميركية من العراق (سيبدأ 2010) وتركيا ستكون إحدى بوابات خروج هذه القوات، وتريد منها واشنطن تأمين ذلك الخروج، كذلك شمال العراق وحدوده حيث تريد واشنطن حفظ الأمن فيه بما لا يهدد حدود البلدين (تركيا والعراق)، كذلك لن تكون خطوط التماس الأميركية التركية بعيدة عن ملف أفغانستان الذي تشارك تركيا فيه بـ1200 جندي ضمن قوات "الناتو" حيث تسعى واشنطن لزيادة حصص دول الحلف في القوة الأطلسية هناك لاستعادة الأمن الذي تدهور في الآونة الأخيرة.
لكن أشد الملفات سرية والتي لا بد من طرحها بين أوباما وأردوجان هو ملف إيران وتسلحها وتهديدها للمنطقة ومستقبل السلام في الشرق الأوسط. فربما يرى ساسة واشنطن أن دور تركيا كوسيط بينها وبين طهران هو المطروح في هذه الزيارة ويتصدر الأجندة السياسية لواشنطن. ويدرك أوباما أن أنقرة تستورد الطاقة من إيران وتطمح لأن تكون طريق عبور لهذه الطاقة إلى أوروبا، وهي تحتفظ بعلاقة تجارية مع طهران ناهيك عن التوافق الضمني في منع بروز الأكراد خارج الشمال العراقي وبالتالي أي دور قادم في شأن إنهاء الصراع الأميركي الإيراني سلمياً، بمفاوضات ومقايضات، سيخدم المصالح التركية في اتجاهات عدة.
أما ما يحفز واشنطن على تنشيط دور تركي قادم في المنطقة فهو ذلك التراجع العربي في الوصول إلى سياسة رادعة لإيران ومحفزة لها في نفس الوقت على تغليب المصالح المشتركة في منطقة الشرق الأوسط. والدور القادم لتركيا لن يكون بدون مقابل، فتركيا لديها الكثير وستجني الكثير ولعل أهم ما ستجنيه في سعيها كدولة وسيطة هو الترويج لمشروع المياه الذي ربما يغذي دولا كثيرة في المنطقة تشكو شح المياه، وهو ما يمنحها بعداً سياسياً وأمنياً مهماً في المستقبل، كما ستحصل على بديل عن الدعم لانضمامها للاتحاد الأوروبي وذلك في الحصول على تكنولوجيا وصناعات ودخول السوق الأميركية الضخمة، وأخيراً ستبارك واشنطن أن تكون تركيا طريقاً لمرور الطاقة من وسط آسيا وإيران إلى أوروبا لو استطاعت تجاوز الفتور في العلاقة بين واشنطن وطهران.
لكن هناك أطروحة لأوباما لا يستطيع ضمها لأجندته السياسية ليناقشها مع ساسة أنقرة، ألا وهي جعل القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، لأنها ستعصف بعملية السلام، كما أن الزيارة تزامنت مع تصريح إسرائيلي يقول إن إسرائيل لن تكون الولاية الحادية والخمسين في الولايات المتحدة، وهذا بمثابة تملص من أي ضغط أميركي على مسار السلام في المنطقة.
ورغم أن واشنطن تدرك بأن عملية السلام متعثرة ويصعب انتشالها، إلا أنها في جانب آخر تدرك أن عبور سياساتها يبدأ بتركيا التي لها دورها الإقليمي الطبيعي الجدير بمكانة دولية مهمة أخذت في التزايد بسبب الأزمة المالية العالمية والثقل العسكري والأمني الخارجي الواقع على كاهل واشنطن، إلى جانب وضع الصراع وفرص السلام أو الاستقرار النسبي في الخليج والشرق الأوسط.