بعد تحطم جدار برلين وتوحد الألمانيتين عام 1989، وتفكك دولة الاتحاد السوفييتي 1991، قرعت أجراس انتهاء الحرب الباردة. تبع ذلك اضمحلال نفوذ الشيوعية شيئاً فشيئاً من شرق أوروبا. أوجد هذا الحدث فرصة لصعود الرأسمالية التي كانت الشيوعية تياراً معاكسا لها. بدأت الرأسمالية كمناخ للتطور والاختراعات والصناعات ثم أبحرت في العولمة كفكر اقتصادي يحمي حرية الملكية ويفتح الطرق لحراك رأس المال بحثاً عن النمو وتراكم المكاسب. وسخر العالم الغربي القوانين ليتمكن الفكر الرأسمالي من تحقيق مبادئهِ ولبراليتهِ الفردية، لنشاهد اتفاقيات الأسواق الحرة، ثم الاتحاد الأوروبي الذي يرجع سبب نشأتهِ الرئيسية إلى منظومة سوق حرة، وتتويجاً لكل هذا قامت منظومة التجارة العالمية لتكرس الرأسمالية العالمية كعقيدة راسخة، فتخلت كثير من الدول عن سيطرتها على قطاعات كثيرة، حتى وصل الأمر إلى القطاعات الخدمية والإنتاجية وبعض السياسات العامة ليحل محل إدارة الدول لهذه القطاعات ما يعرف اليوم بمنظومة الخصخصة. وفي مناخ التحول العالمي نحو الانفتاح ونظام السوق الحر، برزت دول تملك صناديق سيادية أثرت إيجاباً في المنظومة الرأسمالية، وأثارت قلقاً من جانب البعض، وتتكون هذه الدول من ثلاث فئات، لكن الغالب في أساسها الاقتصادي أنها دول نفطية: الفئة الأولى دول نفطية كالإمارات والسعودية والكويت وروسيا، والفئة الثانية دول نفطية صناعية مثل روسيا، أما الثالثة فهي دول صناعية مثل الصين وسنغافورة. وقد استطاعت هذه الدول التي تملك صناديق سيادية أن تشكل لها أذرعاً استثمارية في سوق الرأسمالية، تدير من خلاله فوائض ثرواتها. وتعرف الصناديق السيادية بأنها الأموال المملوكة للدول المصدرة لها بغية الاستثمار في الأسواق والشركات والمصانع. وتتصدر هذه الصناديق "هيئة أبوظبي للاستثمار" بأصول تبلغ 875 مليار دولار، يليها صندوق النرويج بأصول تبلغ 380 مليار دولار، يليه الصندوق السنغافوري بـ330 مليار دولار، ثم السعودي بنحو 300 مليار دولار. ومن أكبر الصفقات التي عقدتها هذه الصناديق لشراء بنك غربي، هي صفقة هيئة أبوظبي للاستثمار عندما استحوذت على نسبة 4,9 في المئة من سيتي جروب مقابل 7,5 مليار دولار. ورغم أن عالم اليوم ساحة للفكر الغربي الرأسمالي الليبرالي، فقد ظهر في الدول الرأسمالية الغربية توجس وشك وريبة تجاه الصناديق السيادية، وتجاه أصولها البالغة 2,5 تريليون دولار، والتي يتوقع أن ترتفع إلى 17,5 تريليون دولار خلال السنوات العشر القادمة. وترى الدول الغربية أن مكمن الخطورة هو في قدرة هذه الصناديق على شراء صناعات استراتيجيه وعلى التأثير في سياسات الدول المستقبلة لاستثماراتها! وعلى هذا بدأت الدول الغربية في محاولة رسم تشريعات للتصدي لما تراه خطراً على منظومتها الاقتصادية أو قرارها السياسي. ومن المطالب الغربية في هذا الخصوص أن تظهر هذه الصناديق حجم أصولها الحقيقي، وأن تتمتع بالشفافية الكاملة! ويبدو أن الغرب لا يرى هذه الصناديق كصناديق استثمارية وحسب، والدليل على ذلك أن الرئيس السابق بوش أصدر أمراً تنفيذياً بتشديد الضوابط على تدفق الأموال من هذه الصناديق. كذلك قدمت ألمانيا مسودة قانون تعطي لحكومتها وسائل لمراجعة استحواذ مشترين أجانب من خارج الاتحاد الأوروبي، وتعطيها الحق في منع أي عملية شراء تمس الأمن والنظام العام. لكن الأزمة الاقتصادية التي أطلت عام 2008 لم تدع فرصة للقوانين أو لمسوداتها كي تلامس التنفيذ؛ فمع تعمق آثار الأزمة المالية العالمية، أتيح لهذه الصناديق أن تشتري وتستثمر، لأن العالم الرأسمالي رأى فيها داعماً قوياً لتوفير السيولة التي سيحتاجها السوق لانتشاله مرة أخرى من غياهب الجب الذي وقع فيه. لكن ما أن يتعافى السوق حتى يعود الأمر الى البداية، أي ترجع الهواجس والشكوك من مستقبل تلك الصناديق في أسواق دول العالم الغربي لتبدأ أميركا وأوروبا بملاحقة تلك الصناديق بالمضايقات القانونية المناهضة لها، والتي ستحدد لها إطاراً لاستثمارها. وهكذا فإن العالم الرأسمالي الغربي استعمل الرأسمالية وحرية السوق وترك الحبل على الغارب خلال عقود من الزمن عندما كانت تحقق صعودهُ ورقيهُ وتفوقهُ، أما اليوم فهو يرغب في تقيد حريتها الرأسمالية ونفوذها، فربما يراها اليوم تحقق مصلحة غيره من الدول النامية، لذلك بحث في قمة العشرين عن رأسمالية جديدة ترجع يد الدولة المبسوطة إلى أن تقبض وتصبح يد الدولة هي الأولى في الاقتصاد.