أدى انخفاض الدولار الأميركي خلال العامين الماضيين إلى تدهور القوة الشرائية للصادرات النفطية في دوله الخليج و غيرها من الدول النفطية. فخلال هذه الفترة فقد الدولار 28% من قيمته مقابل اليورو, و 13% مقابل الين. كما انخفض الدولار إلى أدنى مستوى له مقابل العملتين الأسترالية والنيوزلندية خلال السنوات الستة الماضية. و قد جاء هذا الانخفاض بعد ستة سنوات من قوة الدولار و تربعه على عرش العملات الأجنبية.
و لانخفاض الدولار أثر كبير على دول الخليج لأن هذه الدول تبيع النفط بالدولار بينما تقوم بإنفاق جزء كبير من عائدات النفط على السلع والخدمات المستوردة من كافة أنحاء العالم, خاصة أوروبا واليابان. وبما أن عملات الدول الخليجية مرتبطة بالدولار فإن انخفاض الدولار مقابل العملات الأخرى يعني انخفاض قيمة هذه العملات أيضاً, الأمر الذي يجعل الواردات من أوروبا و اليابان أكثر كلفة من ذي قبل. و إذا كانت نسبة الواردات من أوروبا و اليابان أعلى من نسبة الواردات من الولايات المتحدة فإن نسبة التضخم في دول الخليج ستزيد إلا إذا قامت البنوك المركزية بالتدخل بشكل صحيح للتخلص من هذا التضخم.
وقد يؤدي هذا التضخم إلى انخفاض النمو الاقتصادي في دول الخليج لأسباب عدة أهمها أنه سيرفع من تكاليف المنتجات الخليجية التي تعتمد على مدخلات مستوردة من أوروبا واليابان. و عادة ما تؤدي زيادة التكاليف إلى انخفاض الإنتاج, وبالتالي هبوط معدلات النمو الاقتصادية. و قد ينخفض الإنتاج نتيجة قيام هذه الشركات بإعادة هيكلة خطوط إنتاجها لتخفيض التكاليف, الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج خلال فترة إعادة الهيكلة. كما يجبر التضخم البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة, الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الاستثمار والاستهلاك. وهذا يؤدي بدوره إلى انخفاض النمو الاقتصادي.
و قد أدرك صانعو القرار منذ أكثر من ثلاثة عقود هذه الآثار السيئة لانخفاض قيمة الدولار المتمثلة في انخفاض القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم و هبوط معدلات النمو الاقتصادي فحاولوا البحث عن حل لمشكلة تسعير النفط بالدولار. و تشير البيانات التاريخية إلى أن دول "أوبك" ركزت على هذه الموضوع عدة مرات في الماضي خاصة في السبعينيات. وعلى رغم تعدد الحلول المطروحة فأن أوبك استمرت في تسعير النفط بالدولار. و تضمن الاقتراحات تسعير النفط بسلة من العملات أو حسب حقوق السحب الخاصة و غيرها. و مع تقديم "اليورو" في السنوات الأخيرة و نجاح العراق بتسعير نفطه باليورو ظهرت العديد من الأصوات التي تنادي بتسعير النفط كلياً أو جزئياً بالعملة الأوروبية الموحدة. لماذا لا تقوم دول أوبك بتسعير النفط باليورو بدلاً من الدولار؟ و لماذا لا تقوم أوبك بتسعير النفط بالدولار اليورو معاً؟ ولماذا لا تقوم أوبك بتسعير نفطها بسلة من العملات؟
هناك عوامل اقتصادية و سياسية و فنية منعت" أوبك" من تسعير النفط بغير الدولار خلال 30 سنة الماضية. و هي نفس العوامل التي تمنعها من التسعير بغير الدولار في الوقت الحالي. و فيما يلي بعض العوامل الاقتصادية:
أولا, لن يتغير سعر النفط في الأسواق العالمية لأنه سواء تم بيع النفط بالدولار أو باليورو أو بسلة من العملات فإن سعره لن يتغير. إن السعر في هذه الحالة هو سعر البرميل بالدولار مقدراً بالعملات الأخرى حسب سعر الصرف السائد. فإذا كان سعر البرميل الآن 30 دولار و أردنا تسعيره باليورو فإن كل ما علينا هو تحويل 30 دولار إلى يورو. فإذا كان سعر الصرف يورو واحد إلى 1.20 دولار, فإن سعر البرميل في هذه الحالة هو 30 دولار أمريكي = 25 يورو. لذلك فإن السعر العالمي للنفط لن يتغير سواء تم بيع البرميل ب 30 دولار أو ب 25 يورو.
ثانياً, نظراً للصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها الدول النفطية, والتي لا علاقة لها بتسعير النفط بالدولار, فإنها لا تنظر إلى المدى البعيد. إن انخفاض الدولار حالياً يسبب خسائر كبيرة لهذه الدول على المدى القصير. ولكن لو دققنا في الثلاثين عاماً الماضية لوجدنا أن فترات ارتفاع الدولار تغطي تقريباً الخسائر الناتجة عن انخفاض الدولار في الفترات الأخرى.
ثالثاًً: إن تسعير النفط باليورو فقط لن يحل مشكلة القوة الشرائية, خاصة إذا بدأ الدولار بالارتفاع مقابل اليورو. في هذه الحالة سينادي البعض بتسعير النفط بالدولار!
رابعاًً: أن الفوائد من التسعير بغير الدولار بشكل عام قليلة, خاصة على المدى الطويل. و لن تستفيد أوبك كثيراً من تسعير نفطها بسلة من العملات, خاصة إذا كان الهدف هو استقرار القوة الشرائية للنفط, لأنه سيكون للدولار وزن كبير في هذه السلة.
خامساً: إن تسعير النفط بسلة من العملات لن يفيد كل دول أوبك. إن تسعير النفط بسلة من العملات سيؤدي إلى خسارة القوة الشرائية لفنزويلا التي تستورد جزءاً كبيراً من وارداتها من الولايات المتحدة.
سادساً: تشير بعض الدراسات الأكاديمية إلى أن تسعير النفط بعملة أخرى غير الدولار سيؤدي إ