كيف تصلح أميركا نظامها الصحي؟
بانتقال إدارة الرئيس الأميركي أوباما من مرحلة الوعود الانتخابية إلى مرحلة التطبيق والتنفيذ، أصبح إصلاح نظام الرعاية الصحية أحد أكبر التحديات التي تواجه الإدارة، وقد اندفع معارضوها الجمهوريون إلى القول بإمكانية تحويله من قبلهم إلى معركة "واتر لو" جديدة لهزيمة الإدارة وتقويضها، وهي لم تزل في بدايات عهدها، مثلما هزم نابليون بونابرت في تلك المعركة التاريخية الشهيرة. وقد أدى هذا الخلاف إلى إثارة جدل قومي محتدم حول خطة أوباما الإصلاحية، وصل إلى حد وصفه من قبل خصومه بأنه يهدد بتحويل أميركا إلى دولة اشتراكية، لمجرد سعيه إلى توسيع دور القطاع العام في توفير الرعاية الصحية لكافة المواطنين الأميركيين!
يأتي هذا الكتاب في إطار الحوار القومي الأميركي الدائر حالياً، لكنه ينطلق من وجهة نظر مختلفة جداً. فمؤلفه "تي. آر. ريد" يبدأ بالقول: ليس بالضرورة أن تكون الطريقة الأميركية في حل المشكلات، هي الطريقة المثلى الواجب اتباعها دائماً. وفي هذه المقولة رفض صريح وتمرد على البقاء داخل سياج السياسات الأميركية، وكأنها البوصلة التي يجب السير على هديها. فليس بالضرورة أن تكون الوصفة الأميركية هي البلسم الشافي لأدواء العالم كله. ويصدق هذا في مجال السياسة، تماماً مثلما يصدق في مجال الرعاية الصحية حسب "ريد".
لكن لا يجوز الاكتفاء بمجرد إطلاق الأحكام والانتقادات، دون دعمها بالأدلة والبراهين المقنعة. وهذا ما فعله المؤلف بأبحاثه ودراساته التي أجراها حول شتى نظم الرعاية الصحية في الدول الصناعية الأخرى، لاسيما بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، بل في كندا الواقعة ضمن الحدود السياسية والجغرافية لقارة أميركا الشمالية. ففي هذه الدول، يجد الكاتب نماذج رعاية صحية جد ملهمة وأكثر تقدماً وعدالة مما يقدمه نظام الرعاية الصحية للمواطنين الأميركيين. ومن خلال استطلاع رأي الأطباء والمسؤولين الحكوميين وخبراء الرعاية الصحية والمرضى والمواطنين العاديين، توصل "ريد" إلى أن نظم الرعاية الصحية المطبقة في تلك الدول، توفر ضماناً صحياً لائقاً لكافة المواطنين وبتكلفة مقدور عليها من غالبيتهم. ومما توصل إليه، أن الخوف الذي يروّج له الكثيرون في أميركا من تدخل الدولة في نظام الرعاية الصحية، هو خوف مفتعل لا أساس له، إذا ما أدرك هؤلاء أن جودة الرعاية الصحية المتوافرة لمواطني الدول المذكورة، تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الحكومي للرعاية الصحية، ورقابة القطاع العام على جودة الخدمات وشمولها لكافة المواطنين بتكلفة تتناسب ومستوى دخولهم. بل إن من أهم سمات الرعاية الصحية في تلك الدول، اعتمادها على الأطباء والمستشفيات الخاصة، والضمان الصحي الخاص. وهي عوامل توفر خيارات واسعة للمواطنين.
ولم يكتف المؤلف بدراسة نظم الرعاية الصحية المطبقة في الدول الصناعية المتقدمة وحدها، والتي تنهج اقتصاد السوق الحر، بل امتدت أبحاثه لتشمل بعض الدول الأقل نمواً، والتي بذلت جهوداً لإصلاح نظمها الصحية. وأول ما واجهته هذه الدول -مثلما تواجهه الولايات المتحدة، هو السؤال الأخلاقي: هل الرعاية الصحية حق من حقوق الإنسان الأساسية، تجب كفالته لكافة المواطنين؟ لسوء حظ معارضي نظام الرعاية الصحية الشامل في أميركا، فقد أجابت غالبية الدول عن هذا السؤال بالإيجاب دون تردد. وعليه تتقدم حتى هذه الدول كثيراً على نظام الرعاية الصحية الأميركي، رغم أنه كثيراً ما تصور الأميركيون -وبخاصة خبراء الرعاية الصحية منهم- تخلف نظم الرعاية المطبقة في الدول المذكورة. لكن الحقيقة الوحيدة هنا هي وهم تقدم نظام الرعاية الأميركي على غيره من النظم المنتشرة في أنحاء العالم.
صحيح أن المؤلف لاحظ بعض نقاط الضعف والعيوب في نظم كبريات الدول الصناعية. ففي اليابان مثلا تنخفض أجور الأطباء، وفي كندا تطول صفوف انتظار المرضى لمعالجتهم، أما في بريطانيا فتطول الصفوف مع تدني مستوى الخدمة المقدمة للمرضى، في حين تتخلف المرافق الصحية في فرنسا إلى حد يجعلها أقرب من منشآت أسبرطة التاريخية القديمة. غير أن كل هذه العيوب لا تنفي حقيقة أن نظم الرعاية الصحية المطبقة في غالبية الدول الصناعية، تقدم خدمات صحية أفضل لمواطنيها، وبتكلفة أقل بكثير من تكلفة الرعاية الصحية الأميركية. والأهم في هذه المقارنة أن مواطني الدول الغنية الأخرى ينعمون برعاية صحية شاملة للجميع.
وأخيراً لا يكتفي المؤلف بمجرد انتقاد النظام المطبق في بلاده، بل يقترح على أميركا الاختيار بين أربعة نظم عالمية معمول بها في مجال الرعاية الصحية: "نظام بسمارك"، وهو نظام خاص تتولى فيه الدولة وضع السياسات الصحية لضمان تغطية الخدمات لكافة المواطنين. و"نظام بيفريدج الصحي"، وهو نظام شبه اشتراكي تملك فيه الدولة المستشفيات وتعيّن الأطباء وتتولى إدارة النظام كله تقريباً. يأتي بعد ذلك نظام "الضمان الصحي القومي"، وهو المطبق في كندا، وفيه تكون الدولة هي الضامن الصحي للمواطنين، بينما تبقى المستشفيات ملكاً خاصاً. وأخيراً "النظام الفردي الحر"، وهو الذي يتحدد فيه الضمان الصحي بانتفاخ أو فراغ جيب كل واحد من المواطنين.
عبدالجبار عبدالله
--------
الكتاب: الاستشفاء الأميركي: بحثاً عن رعاية صحية عالمية أمثل
المؤلف: تي. آر ريد
الناشر: مجموعة "بنجوين" الأميركية
تاريخ النشر: 2009