في الوقت الذي تتواصل فيه تفاعلات أزمة الديون الأوروبية، خرجت أقلام العديد من الخبراء والاقتصاديين لطرح الأفكار والوصفات الكفيلة، من وجهة نظرهم، بإنهاء حالة الارتباك التي يعيشها الاقتصاد العالمي ومعالجة الأعطاب التي انطلقت من الولايات المتحدة إلى باقي العالم. ومن هؤلاء الخبراء المهمين على الساحة الأميركية والعالمية، بول كروجمان، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد والمعلق في صحيفة "نيويورك تايمز"، الذي انتهى من كتابه الأخير عن الأزمة الاقتصادية بعنوان "انهوا الكساد الآن"، ويضمنه أهم الأفكار التي سبق أن عرضها في مقالاته بالصحيفة والطريقة التي يتعين التعاطي بها مع المشكلات الاقتصادية في الولايات المتحدة. وقبل التصدي لأسباب الأزمة المالية المستفحلة والحلول الموضوعة لها، يعيد المؤلف تسمية ما يجري حالياً للاقتصاد العالمي، إذ خلافاً للتسمية الشائعة التي ترى في الحالة الاقتصادية ركوداً لم يرقَ بعد إلى حالة الكساد، يفضل كروجمان التعامل مع الوضع الاقتصادي على أنه كساد واضح، حتى وإن لم يصل إلى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، ممهداً الطريق بهذه التسمية التي قد يختلف معها البعض، لطرح فكرته، إذ تبدو إعادة تشخيص الحالة الاقتصادية ونعتها بالكساد أمر مقصود من قبل الكاتب الغرض منه الرجوع إلى الحل الذي سبق لـ"جون ماينارد كينيز" طرحه والمتمثل في توسيع الإنفاق الحكومي لتحفيز النمو وعدم الانشغال بموضوع العجز وتعاظم الدين العام. بعد انفجار الفقاعة العقارية عام 2007 وانهيار عدد من المؤسسات المالية، وتضرر صناديق التحوط وانطلاق الأزمة المالية في العام التالي، سارعت إدارة أوباما إلى ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد، وهي خطوة يشيد بها الكاتب باعتبارها الدواء الناجع لأي أزمة اقتصادية بحجم ما حدث في 2008. لكن ما يعيبه على إدارة أوباما هو قصر نفسها، إذ مباشرة بعد تجاوز عنق الزجاجة وظهور مؤشرات التعافي في 2009 توقف التدخل الحكومي وتصاعدت أصوات الجمهوريين محذرة من تعاظم العجز المالي الذي خلفته مرحلة الإنقاذ الاقتصادي، والحال، كما يقول الكاتب، لم يكن الحد من العجز الأولوية القصوى، بل كان خفض نسب البطالة المرتفعة مع ما يستدعيه ذلك من إنفاق فدرالي لابد منه. وهنا يعرض كروجمان أطروحته الأساسية التي ترى بأن ملايين الأميركيين يعانون حالياً من البطالة وتكلفتها الاجتماعية الباهظة بسبب تراجع الطلب في الاقتصاد الأميركي وعجز الشركات والقطاع الخاص عن التوظيف، لذا يمكن للحكومة التدخل لوضع حد لهذا النقص الواضح في الطلب بالإنفاق وإعادة الطلب إلى السوق، وليست الحكومة الوحيدة التي يدعوها الكاتب للتحرك، بل هناك أيضاً آلية التحكم في التضخم لدى الاحتياطي الفدرالي، داعياً في هذا السياق إلى خفض سعر الفائدة وعدم التخوف من شبح التضخم الذي حتى وإن ارتفع لن يهدد الاقتصاد الأميركي، فما يهم في هذه المرحلة الحرجة هو إعادة تحفيز النمو الاقتصادي. ويعارض الكاتب مقولة اليمين بأن مشكلة البطالة في أميركا ذات أبعاد هيكلية لا علاقة لها بالنمو، والحال أنه لو كان ذلك صحيحاً لارتفعت نسبة التضخم، والحال أنها ظلت في مستويات منخفضة، كما أن الطلب على السندات الأميركية ما زال متواصلا رغم تراجع عائداتها، الأمر الذي يوظفه كروجمان لتأكيد صحة ما يذهب إليه من أنه لا خوف من العجز. وللخروج من المأزق الحالي يقترح الكاتب ثلاثة مسارات عملية تخفف من حدة الأزمة وتعيد النمو إلى الاقتصاد؛ أولاً، يعيد كروجمان طرح فكرة الإنقاذ المالي للاقتصاد في قطاعاته المختلفة، وذلك بتخصيص 300 مليار دولار سنوياً تنفقها الحكومة الفدرالية لدعم الحكومات المحلية التي عانت من تداعيات الأزمة المالية وسرّحت آلاف المدرسين والموظفين، وفي حال إقرار هذا الاقتراح، يقول الكاتب، سيتم خلق ملايين الوظائف دون التأثير على موازنة الحكومات المحلية. ثانياً يدعو كروجمان الاحتياطي الفدرالي إلى خفض سعر الفائدة إلى الصفر إذا اقتضى الأمر دون الانشغال بشبح التضخم، ففي ظل حالة الركود التي يشهدها الاقتصاد الأميركي وتراجع معدلات الاستهلاك تواجه أميركا خطر انخفاض الأسعار والقضاء على الطلب، وبدلا من تحديد نسبة التضخم في 2 في المئة التي يريدها الاحتياطي الفدرالي، يقترح الكاتب رفع السقف إلى 4 في المئة، وهو أمر سيشجع، على الأقل من الناحية النظرية، على الإنفاق والاستثمار، فيما ستتراجع القيمة الحقيقة للدين العام. أما الطريق الثالث والأخير، هو مساعدة أصحاب الرهون العقارية على إعادة جدولة ديونهم وفقاً لسعر الفائدة المنخفض حالياً مع ما يستدعيه ذلك من ضخ أموال إضافية في المؤسسات المالية، وسن التشريعات اللازمة لذلك. غير أن المشكلة الأساسية التي تواجه اقتراحات كروجمان، لاسيما في مجال التشريع والإنفاق، هي صعوبة إقناع الجمهوريين داخل الكونجرس بهذه الأفكار، خاصة في ظل الموسم الانتخابي المحتدم ومحاولات إحراج أوباما لاختطاف الرئاسة منه. زهير الكساب الكتاب: انهوا الكساد الآن المؤلف: بول كروجمان الناشر: نورتون كومباني تاريخ النشر: 2012