أصبح الاعتماد على وسائل الاتصال الحديثة جزءاً أساسياً من حياة الأفراد في المجتمعات الحديثة، خاصة مع دمج معظم الاستخدامات التقنية في هاتف ذكي بحجم راحة اليد. وتشمل الاستخدامات إجراء مكالمات صوتية أو فيديو والتراسل الفوري والبريد الإلكتروني والتدوين أو التغريد عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتسوق وإجراء المعاملات البنكية والحكومية، وغيرها العديد من الاستخدامات الاتصالية. وعلى الرغم من الإيجابيات الكثيرة التي قدمتها هذه الوسائل للناس، إلا أن هناك محاذير ومخاطر لا تكاد يخلو منها أي وسيلة تقنية حديثة، ما استدعى من خبراء الأمن المعلوماتي التحذير باستمرار من الممارسات التي قد تتسبب في انتهاك خصوصية الأفراد المستخدمين للتقنيات الحديثة. والخطورة في الأمر تكمن في أن تبادل المعلومات والبيانات الخاصة مثل الأرقام والعناوين وأماكن الوجود والصفحات المفضلة أو المشاركة بالصور والفيديو والإعجاب بالصفحات واختيارات المتابعين والأصدقاء، وغيرها الكثير من الممارسات في شبكات التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الدردشات الفورية، تشكل مع الزمن بنكاً من المعلومات التي يمكن أن تكشف تفاصيل عديدة ودقيقة من حياة الشخص المشارك. ففي دراسة أجرتها مؤسسة «مايكروسوفت ريسيرتش» العام الماضي على فيسبوك، أظهرت النتائج أن الأشخاص يبوحون بأسرارهم الحميمة، بما في ذلك معتقداتهم السياسية والدينية من دون قصد، بمجرد الضغط على زر «أعجبني»، وأنه يمكن استنتاج السمات الشخصية الحساسة للأشخاص بدقة من المعلومات التي يبثونها على الموقع. وأشارت الدراسة إلى أنه يمكن استنتاج عرق المستخدم أو معدل ذكائه أو شخصيته أو آرائه السياسية باستخدام الموضوعات والأشياء التي أبدى إعجابه بها في «فيسبوك» فقط، حتى لو كان قد اختار عدم الكشف عن تلك المعلومات. كما حذرت تقارير صحفية من أن برنامج «واتس آب» للتراسل الفوري واسع الانتشار عالمياً يحتوي على مخاطر عدة من ناحية اختراق مضمون الرسائل المتبادلة وانتهاك الحياة الخاصة للفرد، خصوصاً أن التطبيق تم تطويره بشكل يسمح بنشر بيانات المستخدم من خلال نص غير مشفر. وهذا الأمر يسمح للشركات المزودة لخدمات الاتصالات وقراصنة الإنترنت بالتسلل إلى رقم الهاتف ومحتويات الرسائل والصور والفيديو الخاصة بالمستخدم. وهناك شكوك عديدة تحوم حول قيام شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من التطبيقات الجماهيرية ببيع معلومات المستخدمين إلى شركات الإعلانات أو الجهات الاستخبارية التي تقوم بدورها بالاستفادة من هذه البيانات لأهداف تسويقية إعلانية أو لغايات أمنية. وهناك نصائح عدة يوجهها خبراء أمن المعلومات والإنترنت إلى مستخدمي الهواتف الذكية ورواد شبكات التواصل الاجتماعي وبرامج التراسل الفوري، منها الحذر عند وضع البيانات في صفحة التعريف الشخصي أو عند المشاركة بصور شخصية لأنه قد يساء استخدامها إذا ما وقعت في أيدي من يريد العبث بها أو الإضرار بسمعتك. وكذلك مراجعة إعدادات الخصوصية والأمان بحيث لا تكشف عن موقعك أو معلوماتك الخاصة للعامة واقتصارها على الأصدقاء الذين تعرفهم جيداً. ومن النصائح أيضاً عدم فتح أي روابط من حسابات مجهولة لأنها قد تخترق الجهاز بواسطة برامج تجسس، مع ضرورة وضع رقم سري لإقفال الهاتف وذلك لحماية المعلومات في حال سرقة الهاتف أو فقده. إن الاستخدام الواعي للتقنيات الحديثة والتعامل معها بحذر يقلل كثيراً من المخاطر المحتملة. وعلى الرغم مما تقدمه هذه التقنيات من خدمة إنسانية كبيرة في تعزيز التواصل بين الأفراد والمجتمعات والثقافات، إلا أنها فرضت علينا واقع «اللاخصوصية» لمن يتعامل معها، وجعلت هذه الوسائل أشبه بالورد الذي يهفو إليه الناس على رغم أذاهم من أشواكه.