حاجة الهند إلى خبير اقتصادي
بعد استقلال الهند عن بريطانيا اختارت الاشتراكية. ولكن تفسير الهند القاصر للاشتراكية كوسيلة لانتشال مئات الملايين من الأشخاص من براثن الفقر المدقع أفضى إلى تجاهل المفهوم المادي للحياة والصرامة المالية الذي أرساه كاوتيليا، غير أن أزمة ميزان المدفوعات دفعت الهند إلى فتح أبوابها أمام الاقتصاد العالمي، وذلك منذ عام 1991.
لكن على رغم ذلك، أضحت نتائج الاشتراكية في الهند، على رغم انتشارها بصورة غير متساوية في أنحاء الدولة وتوزعها بين أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة، من البديهيات في الوقت الراهن.
وخلال العقدين الماضيين، أصبحت الهند واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، لكن هذا النمو تباطأ مؤخراً، بسبب تركيز الحكومة الائتلافية من يسار الوسط على خطط الإنفاق الطموحة، ولا سيما على برامج الضمان الاجتماعي العملاقة، بدلاً من النمو الاقتصادي، اللازم لتوفير فرص العمل المطلوبة في دولة يزيد تعداد قوتها العاملة بمقدار مليون نسمة شهرياً.
وفي ضوء المكانة التي أضحت الهند تتبوأها في الاقتصاد العالمي، فإن أكثر الأشخاص أهمية في الحكومة المقبلة، التي سيتم انتخابها في شهر مايو المقبل، لن يكون رئيس الوزراء، وإنما وزير المالية.
والأكثر من ذلك، أن الهند في حاجة لمن يشغل وظيفة أهم مسؤول عن السياسات الاقتصادية في العالم، والذي تشمل مهامه إدارة الرفاهية والتوقعات والأمن الاقتصادي لنحو خمس سكان الأرض.
وعند دراسة حماية وقوة توسع وزارة الخزانة الهندية، يجب على أي وزير مالية أن يأخذ في حسبانه القاعدة الزراعية الضخمة في الدولة والاعتماد الكبير على تقلبات موسم الرياح الموسمية، وقطاعيها الصناعي والعقاري الناشئين والمثقلين ببنية تحتية ضعيفة ورأسمالية متوحشة.
وعلى وزير المالية أيضاً أن ينظر بعين الاعتبار إلى ملايين المواطنين الذين يعتريهم اليأس تحت خط الفقر وفي حاجة إلى مساعدات مستهدفة بعناية من الدولة، إلى جانب الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتزايدة، والحساسية تجاه الصدمات التي يعاني منها الاقتصاد العالمي وتذبذب العملات الناتج عن هذه الصدمات.
ومن بين الأمور الأخرى، التي يتعين على وزير المالية الهندي الاهتمام بها عجز الحساب الجاري الكبير المتجذر نتيجة اعتماد الهند على واردات بترولية ضخمة، والقاعدة الضريبية الصغيرة حيث يدفع أقل من واحد في المئة من القوى العاملة ضرائب على الدخل، علاوة على اقتصاد الظل الذي يزيد حجمه على الاقتصاد الرسمي، وتطوير المشاريع الصناعية الكبرى وتأثيرها على الموارد الاقتصادية المستدامة المرتبطة بالأنهار والغابات في الهند التي تواصل دعمها لملايين المواطنين.
وفي هذه الأثناء، ينبغي أن يولي الوزير اهتماماً كبيراً بالقاعدة الانتخابية، ذات الأصوات المؤثرة على حزبه، التي لا تزال تتوق إلى أمان الوظيفة الحكومية وإعانات الغذاء والطاقة وغاز الطبخ والمواد البترولية الأخرى.
------
تشاندراهاس تشودهوري
كاتب متخصص في الاقتصاد الهندي
------
يُنشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»