قضية التكفير في مصر
قرون طويلة عاش فيها حكام مصر مبجلين، يحيطهم الجلال وتكللهم الهيبة، من دون أن يدري من ذهبوا في القرون الغابرة أنه سيأتي يوم، وينقلب فيه الدين إلى غير صالح السلطان، فبعد أن كان التدين يعبد أمامه طريقاً وسيعاً بات يتيح لفئة تناوئه فرصة تكفيره، استناداً إلى تأويل ذاتي وضيق للنصوص الدينية.
ونعني بهذه الفئة الجماعات والتنظيمات الدينية المتطرفة، التي دبجت بياناتها وتأويلاتها ابتداء من ستينيات القرن الماضي، لتكفر رئيس الجمهورية، ومن حوله، بل ومؤسسات الدولة، مهما كانت صغيرة أو مقصية عن بؤرة صنع القرار، أو مركز الهيمنة والتحكم في جسد الدولة المصرية الفارع.
وبدأت هذه المسيرة، المقطوعة من تاريخ مصر، بما رآه سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق»، الذي اعتبر فيه أن المجتمع الراهن «جاهلي»، ونادى بـ«الحاكمية»، ولذا رفض أي نظام سياسي لا يمتثل لهذا التصور، فها هو يقول: «... ليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه هذا شرع الله، إلا أن تكون الحاكمية العليا لله معلنة، وأن يكون مصدر السلطات هو الله سبحانه وتعالى لا الشعب ولا الحزب ولا أي من البشر»! ومن ثم يصبح الحاكم الذي لا ينتهج هذا النهج في نظر قطب خارجاً عن ملة الإسلام، أو جاهلياً، تجب مقاومته، واستبداله بـ«جماعة مؤمنة» تطبق «شرع الله».
وتلقفت الجماعات والتنظيمات التي تشظت، بشكل لافت، هذه الفكرة، وراحت تعمق فكرة تكفير الحاكم. ففي كتابه الموسوم بـ«رسالة الإيمان» يقول صالح سرية أمير ما عرف بتنظيم «الفنية العسكرية»، الذي قاد محاولة فاشلة لاغتيال السادات عام 1974: «إن الحكم القائم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كافر، ولاشك في ذلك»، مستنداً في ذلك إلى غياب «الحكم بما أنزل الله»! ويرى أن كل من والى الحكومات والأحزاب والجماعات «الكافرة» فهو «كافر»، وأن تحية العلم «شِرك» والسلام الجمهوري «شِرك» وتحية قبر الجندي المجهول «شِرك». وتبنت «جماعة المسلمين» المعروفة أمنياً وإعلامياً باسم «التكفير والهجرة» الموقف نفسه، إذ حكم أميرها شكري مصطفى على مؤسسات الدولة جميعاً بـ«الكفر»، وطالب باعتزال الأجهزة الحكومية ومؤسساتها والامتناع عن أداء الخدمة العسكرية أو قبول الوظائف العامة. وفصل محمد عبدالسلام فرج مؤسس «تنظيم الجهاد» في كتيبه الشهير «الفريضة الغائبة» هذه النقطة كثيراً، متخذاً موقفاً مشابهاً، إذ رأى أن الحاكم «مرتد»، وأن أبواب الكفر التي أخرجته من ملة الإسلام عديدة، ولذا وجب قتاله! وفي رسالة لعبود الزمر، أمير «جماعة الجهاد» الذي لا يزال يقضي فترة عقوبة لاشتراكه في اغتيال السادات، يقول: «شرف الله الجماعة بقتل السادات على أيدي بعض رجالها»، ويطالب بـ«الخروج على الحكام الكفرة وقتالهم وخلعهم، وتنصيب إمام مسلم واجب بإجماع علماء المسلمين على كل مكلف»!
وتتفق جماعتا «الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» قبل أن تراجع الأخيرة موقفها على الحكم بـ«كفر» رئيس الجمهورية كفر عين، فهو خارج عن ملة الإسلام، لأنه لا يطبق «شرع الله»، ويستبدله بقوانين بشرية وضعية، ويستهزئ بالشريعة الإسلامية، ويستحل ما حرم الله، ويجعل نفسه رباً من دون الله فيحل ما رحمه، ويتخذ من صفة الألوهية، وهي حق التشريع المطلق، الذي لا يكون إلا لله تعالى!
وكان طارق الزمر يرى أن «قتال الحاكم واجب على جميع المسلمين كل بحسب قدرته، ولا يسقط عنهم إثم ترك هذا الواجب إلا أن يهبوا ويخلعوا الحاكم». وعزز أمير «الجماعة الإسلامية»، المسجون في الولايات المتحدة حالياً، عمر عبدالرحمن هذا التصور فقال ذات يوم إن المفسرين أجمعوا على عدم طاعة أولي الأمر في المعصية، وأجمعوا على وجوب الخروج عليهم لكفرهم!
وقد يعتقد متعجل أن تكفير الحكام على أيدي بعض التنظيمات والجماعات الإسلاموية المتطرفة يمثل قطيعة تامة مع النظرة الدينية للحاكم في مصر القديمة. وهذا التعجل مرده ثلاثة أمور، الأول يتصور أن التكفير يعني التحرر من عبودية الأفراد مهما كان سلطانهم، حسب ما ذهب إليه سيد قطب، استناداً على أنه لا «كهنوت» ولا «إكليروس» في الإسلام، وأن الله سبحانه وتعالى هو «الحاكم الأوحد» لهذا الكون، وهو «الخالق» وبيده وحده أجل الناس وأرزاقهم، ولا شريك له في الملك، ولذا فلا خضوع إلا له ولا خوف إلا منه. والثاني يتوهم أن فكر التكفير مصري الأصل، والثالث يعتقد في أن مسألة الحكم باسم الدين تصور سياسي إسلامي.
في حقيقة الأمر فإن هذه الجماعات والتنظيمات حين كفرت الحاكم لم تكن تريد إصلاحاً سياسياً بل رمت إلى استبدال الحاكم «الكافر» من وجهة نظرها بآخر «مؤمن» حسب مقاييسها، وطرحت تصوراً لشكل الحكم الذي تريده، لن يقود في خاتمة المطاف إلا إلى «ثيوقراطية» أخرى، تحت لافتات جديدة، قائمة على فهم مغلوط للنص القرآني، هي «الحكم بما أنزل الله» و«تطبيق الشرع» و«حكم الجماعة المؤمنة» و«الخلافة الإسلامية»! وهذه الشعارات قد لا تقود في حد ذاتها إلى شكل من أشكال «الحكم الإلهي» لو تم تأويلها وفق الجوهر الصافي والمقاصد الأساسية للدين الإسلامي، ولكن حسب طرح هذه الجماعات والتنظيمات، فإنها تبدو إطاراً أيديولوجياً لهذا النوع من الحكم، الأمر الذي يعني إعادة إنتاج صورة الحاكم التي كانت سائدة في مصر القديمة حسب بنية معرفية جديدة.
كما أن وجود مؤسسة تحكم باسم الدين يعد خروجاً على القيم الدينية الإسلامية، لأنه نوع من التجسيد البشري للدين، الأمر الذي يتناقض مع المكانة المطلقة له. فتحول سلطان الدين إلى مؤسسة حاكمة، يعني أن هذه المؤسسة ملكت ما للدين من سلطان. والحاكمية الدينية في الإسلام هي من خلال إعلاء القيم والقواعد الدينية المتفق عليها أو التي تختارها الأمة جمعاء، وليست لجماعة، مهما علت مكانتها واتسع نفوذها.
وعلاوة على ذلك فإن فكر التكفير ليس مصري الجذور، بل صنيعة التأثر بتيار فكري نشأ في شبه القارة الهندية، الأمر الذي تكشفه المقابلة بين أفكار سيد قطب وما جاء في كتابات أبو الأعلى المودودي، خاصة كتابه «الحكومة الإسلامية».
وبعد أن توارت قضية التكفير سنوات قليلة عادت تطل برأسها، وفي قسوة، بعد ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم «الإخوان»، إذ إن التنظيمات والجماعات المتطرفة والإرهابية تكفر الحكم الحالي.