استخبارات مواقع التواصل
ضمن سلسلة «دراسات عالمية» نشر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كتاب: «استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي» وهو دراسة وجيزة بالغة الأهمية في موضوعها، عميقة ومركّزة ومتماسكة في منهجها، حيث يتتبع مؤلفوها الثلاثة ديفيد أوماند، وجيمي برتليت، وكارل ميلر، ما يعتبرونه أحدث فرع في مجال الاستخبارات، «فعقب نشوء الاستخبارات التصويرية IMINT، والاستخبارات البشرية HUMINT، واستخبارات الإشارات SIGINT، تأتي الآن استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرف اختصاراً بـSOCMINT. ففي عصر باتت تنتشر فيه وسائل التواصل الاجتماعي في كل مكان، ثمة مسؤولية ملقاة على عاتق المجتمع الأمني باعتماد استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي ضمن منظومة الاستخبارات الوطنية».
غير أن مؤلفي الدراسة مع هذا الاستهلال الُمبرز لأهمية هذا الفرع الجديد من الاستخبارات يدركون أيضاً جسامة مهمته ويضعون لها شرطين أو اختبارين مهمين: «الأول أن يقوم هذا الفرع من الاستخبارات على أساس منهجي متين فيما يتعلق بعمليات جمع المعلومات، والإثبات، والتحقق، والفهم، والتطبيق. والثاني، هو أن يعالج بصورة مشروعة الخطر الأخلاقي الذي تنطوي عليه نشاطات استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي».
ولعل هذا العنصر الأخير المتعلق بما سماه المؤلفون «الخطر الأخلاقي» يكتسي أهمية خاصة، لجهة ضرورة التوازن بين حاجة أجهزة الضبط وإنفاذ القانون في أداء عملها لخدمة المجتمع، وضرورة مراعاة الخصوصيات والحريات الشخصية أيضاً.
وينطلق المؤلفون منذ مقدمة الدراسة من رصد حالة عن الكيفية التي لعبت فيها مواقع التواصل دوراً محورياً في الحشد والدعوة لأعمال فوضى واضطراب في بريطانيا خلال آخر عام 2011 بقدر ما لعبت أيضاً دوراً مماثلاً في التعبئة ضد تلك التظاهرات والفوضى، ودعم جهات إنفاذ القانون. وعقب تلك الأحداث «اعترف مسؤولو الشرطة بأنهم لم يكونوا مجهّزين على نحو كافٍ لجمع المعلومات الاستخبارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقال أحد المتخصصين في مجال الاستخبارات إن الأمر أشبه بالبحث في المكتبة البريطانية عن صفحة في كتاب من دون فهرسة يمكن الاسترشاد به». وفي مواجهة هذا التحدي الجديد أسست شرطة لندن مركزاً لمواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع استضافة المدينة للأولمبياد.
وتبذل وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون في الدول الصناعية جهوداً كبيرة لتطوير الأبحاث في مجال البرامج الآلية التي ترصد محتوى وسائل التواصل الاجتماعي وتحليله، بهدف جمع المعلومات للمساعدة في التحقيقات الجنائية، «وتقف خلف هذه التطورات استثمارات عامة مزمعة وقدرات كبيرة من المنتظر أن تتيح للسلطات الاستمرارية في الوصول إلى البيانات الخاصة». وكما سبقت الإشارة فالوصول إلى هذه البيانات الخاصة يثير «أسئلة بشأن الإطار المنهجي والأخلاقي الذي سوف تستخدم فيه مثل تلك المعلومات».
وبعد الحديث عن ملامح ما يعتبره المؤلفون «عصر وسائل التواصل الاجتماعي» يستعرضون ما يعتبرونه أيضاً فرصاً وفوائد للاستخبارات المعنية بهذه المواقع، مشيرين في هذا السياق إلى أمور كثيرة منها بشكل خاص أهمية «المعلومات التي يتم استقاؤها من مصادر الجمهور»، في ضمان تدفق أفضل للمعلومات بين المواطنين والحكومة، ولاسيما في حالات الطوارئ. ومما يزيد من قيمة هذه النوعية من المعلومات أنها تتيح نوعاً من «تقدير الموقف في الوقت الحقيقي تقريباً». كما تتيح أيضاً «تحديد النيات الإجرامية أو العناصر الإجرامية في سياق السعي لمنع الجريمة وملاحقة مرتكبيها». وفي الأخير يستعرض المؤلفون أبعاد ضرورة هذا النوع من الاستخبارات، وشرعية عمله وحيويته في الوقت الراهن، وكذلك التحديات التي تواجهه، وصولاً إلى استخلاص ملاحظات ختامية وجيزة في نهاية الكتاب.
حسن ولد المختار
-------
الكتاب: استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي
المؤلفون: ديفيد أوماند، وجيمي برتليت، وكارل ميلر
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
تاريخ النشر: 2014