منذ أن شرع العراق في إرسال عشرات الآلاف من المقاتلين المتطوعين لمحاربة تنظيم «داعش» في 2014، ما فتئت الدلائل تتزايد يوماً بعد يوم على ارتكاب بعض هذه المليشيات لفظاعات في حق المدنيين، ولكن النظام القضائي العراقي مازال حتى الآن يوثر غض الطرف عن تلك الانتهاكات. «بسام رضا»، ممثل ما يسمى رسميا «قوات الحشد الشعبي» في واشنطن، أخبرني الأسبوع الماضي بأنه لم تتم محاكمة أو سجن أي مشتبه في ارتكابه جرائم قتل أو تعذيب أو حرق ممتلكات ضد السكان المدنيين، وبأنه عادة ما يتم اعتقال المشتبه فيهم داخل قواعد عسكرية لبضعة أسابيع ثم يتم إطلاق سراحهم بعد ذلك. واللافت أن رضا لا يطعن في صحة ما تُتهم به قوات المتطوعين الشيعة من انتهاكات إذ يقول: «إنني لا أقول إن ذلك لا يحدث، بل يحدث»، مضيفا «هناك بالفعل أعمال انتقام؛ حيث يقرر بعض الأشخاص التطوع لأنهم فقدوا أقارب لهم (ويرغبون في الانتقام). إنه شيء يحدث؛ ونحن لا نستطيع إيقافه». تحقيقات بلا جدوى كما اعترف بأن التحقيقات في هذه الحالات لم تفض إلى أي نتيجة قائلاً: «لا أحد منهم ذهب إلى السجن. إنهم يُعتقلون داخل المعسكر ثم عادة ما يتم إطلاق سراحهم لاحقا». موضوع الانتهاكات التي ترتكبها المليشيات يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة الآن. وفي هذا الصدد، أبلغت إدارة باراك أوباما الحكومة العراقية بشكل غير علني بأنها تفضل أن يتولى الجيش الرسمي، وليس المليشيات الطائفية، القتال من أجل استعادة الموصل، التي تعتبر ثاني أكبر مدينة عراقية، غير أن رضا يقول إن المتطوعين يريدون شن حملة الموصل خلال الثلاثة أشهر المقبلة. والواقع أنه إذا عملت الولايات المتحدة مع المليشيات بشكل مباشر، فإن قوانين الكونجرس تقتضي أن يتعهد أوباما بألا تذهب أي مساعدات أميركية إلى الوحدات التي ترتكب انتهاكات، أو بأن يلقى مرتكبو تلك الانتهاكات العقاب. غير أنه حتى الآن مازال هذا النوع من المحاسبة غائباً. ويوضح «رضا» أن ذلك يعود إلى حقيقة أنه من شبه المستحيل إقناع شهود بالتقدم للإدلاء بشهاداتهم أو إقناع مقاتلين متطوعين آخرين بتقديم شهاداتهم ضد زملاء لهم إذ يقول: «الحقيقة هي أنهم يغطون على بعضهما بعضا»، مضيفا «لقد ارتكبوا العديد من الأفعال المؤذية والكثير من الجرائم، ولكنهم يفلتون من العقاب». وعلى الرغم من عدد من الوعود التي قدمها منذ ديسمبر 2014، لم يستطع رئيس الوزراء حيدر العبادي إخضاع هذه القوات المؤلفة من متطوعين لسلطة الجيش العراقي. واليوم يقدّر رضا أن 200 ألف متطوع شيعي يشاركون في ما يعرف رسمياً باسم «الحشد الشعبي»، مضيفا أن نحو 40 ألف مقاتل آخر من المناطق القبلية السنية أبدوا رغبتهم في حمل السلاح. وكانت المليشيات التي تقاتل تنظيم «داعش» بدأت رسميا في يونيو 2014، بعد سيطرة «داعش» على الموصل؛ حيث دعا علي السيستاني، الذي يُعد أكبر مرجعية شيعية، أتباعه لحمل السلاح. ومنذ ذلك الوقت، قامت قوات المتطوعين بسد الفراغ الذي خلّفه الجيش العراقي المنهار، الذي غادر مواقعه في الموصل وتكريت في 2014 ومازال يسعى لإعادة بناء صفوفه منذ ذلك الوقت. وكنتُ قد كتبت، عندما قمتُ بزيارة للعراق قبل نحو عام، عن كيف أن زعماء بعض المليشيات كانوا يقودون وحدات تابعة للجيش العراقي في محافظة «ديالى» شمال شرق بغداد. ولئن كان المتطوعون يقعون رسمياً تحت إمرة مكتب العبادي، فإن الرئيس الفعلي لـ«الحشد الشعبي» هو أبو مهدي المهندس، الذي يشغل منصب نائب رئيس لجنة الحشد الشعبي الحكومية. و«المهندس» زعيم مليشيا سابق وحليف قوي لفيلق القدس الإيراني. تخاذل أميركي ورسميا، لم تتخذ الولايات المتحدة أي موقف بشأن ما إن كان ينبغي لمليشيات العراقية المشاركة في الحملة من أجل تحرير الموصل، وهي مدينة متعددة الأعراق يفوق عدد سكانها مليون نسمة. وكان المسؤولون الأميركيون قد سارعوا للتأكيد أواخر العام الماضي على عدم وجود أي مليشيات في الرمادي عندما ساعدت الولايات المتحدة العراق على طرد تنظيم «داعش» من المدينة. غير أن رضا يقول إن مقاتلين تحت إمرة مليشيا «منظمة بدر» الشيعية شاركوا في المعركة، وإنْ لم يدخلوا المدينة. الانتهاكات التي ترتكبها المليشيات لفتت الانتباه إليها أكثر خلال الآونة الأخيرة؛ حيث وثّقت منظمات إنسانية انتهاكات ارتُكبت خلال حملات سابقة. كما وجد تقرير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» صدر في سبتمبر الماضي أن الجهد العسكري لتحرير تكريت الربيع الماضي من قبضة «داعش» عرف مشاركة مليشيات قامت باعتقال 200 رجل وولد بشكل غير قانوني، 160 منهم مفقودون اليوم. وقد أخبرني رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري بأن ثمة تحقيقا خاصا يجريه البرلمان في انتهاكات المليشيات إذ قال: «لدينا أسماء وعناوين وصور» لأعمال تعذيب وجرائم أخرى، كما أخبرني الجبوري، وهو سني، أنه ناقش هذا الموضوع مع مسؤولين أميركيين في السفارة الأميركية. رضا، ممثل المليشيا، قال إنه على يعلم بالادعاءات الموجودة ضد المليشيات في تكريت، ولكنه لفت إلى أن بعض مقاطع الفيديو التي تدّعي إظهار مليشيات تقطع رؤوس معتقلين مفبركة بواسطة برنامج «فوتوشوب». كما أخبرني بأنه في تكريت بشكل خاص، قام بعض السكان السنة الذين يُعتبرون مدنيين بإيواء مقاتلين من داعش في منازلهم بالفعل. كما أشار إلى أن التحقيق البرلماني تحاشى الإشارة إلى هذا السياق ثم تساءل: «ما هو الأهم: تحرير تكريت من داعش أم بضعة أشخاص تأذوا أثناء عملية التحرير؟». رضا، الذي وُلد في الولايات المتحدة وشارك في إعداد قائمة التهم الموجهة ضد صدام حسين وكان مستشارا لثلاثة رؤساء وزراء عراقيين، يقول إن يأمل في إقناع الحكومة الأميركية بدعم المتطوعين بشكل مباشر إذ يقول: «إننا نطلب كل أنواع الدعم. فنحن في حاجة للتدريب والمعدات والدعم المعنوي وكل شيء». غير أن ذلك سيكون مهمة صعبة، ذلك أن ثمة قانونا يحمل اسم السيناتور الديمقراطي باتريك ليهي يحظر أي مساعدة أميركية لوحدات عسكرية متورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان. وقد أخبرني ليهي في بيان الاثنين الماضي بأن «ثمة تقارير ثابتة وذات مصداقية تفيد بارتكاب مليشيات عراقية لانتهاكات خطيرة ضد السجناء والمدنيين، وبعضها تلقى أسلحة ومساعدات أخرى أميركية. ولدينا أسباب قوية للاعتقاد بأن قانون ليهي لا يطبق مثلما ينبغي أن يطبق. والحال أنه عندما تُرتكب مثل هذه الجرائم باستعمال أسلحتنا ولا يتم القيام بأي شيء لمعاقبة المسؤولين عن تلك الجرائم، فإن ذلك يمثل استهزاء بالقانون ويجعلنا متورطين بشكل غير مباشر». بيد أن مايكل روبن، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في «معهد المشروع الأميركي» بواشنطن والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية، يرى أن قانون «ليهي» يضع العراقيين في مأزق إذ يقول: «إذا كنا نريد من العراقيين أن يقوموا بأشياء على النحو الذي نريد، فعلينا أن ننخرط بشكل أكبر»، معتبراً أن تكون أي حملة تقودها المليشيات بدون انخراط أميركي شبيهة بحصار ستالينجراد. وعلى كل حال، فإن قانون ليهي ليس السبب الوحيد الذي يفرض ضرورة أخذ الانتهاكات التي ترتكبها المليشيات على محمل الجد بشكل أكبر. فالتقرير السنوي للاستخبارات الأميركية حول التهديدات العالمية الذي أُفرج عنه قبل أسبوعين يقول إن الأقلية السُنية في العراق تخشى أن تلعب المليشيات الشيعية «دورا قياديا في استعادة المناطق ذات الأغلبية السنية»، وهو ما يشير، حسب التقرير، إلى أن السنة العراقيين «سيظلون راغبين في تحمل بعض الحرمان» تحت حكم تنظيم «داعش». بعبارة أخرى، إذا كان العراق يرغب في أن يشارك عدد أكبر من «السنة» في القتال ضد «داعش»، فيجب عليه أن يعاقب الشيعة المتورطين في جرائم وفظاعات ضدهم. *محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»