في رواية الحرب الباردة الكلاسيكية (وفيلم 1965 الرائع) «حادث بيدفورد»، تدخل مدمرةٌ أميركية كانت في مهمة تابعة للناتو في مناوشات مع غواصة سوفييتية في المياه الباردة بالقرب من الدائرة القطبية. ويتلو ذلك كر وفر ومناورات ضمن مجموعة من الاحتكاكات التي وضعت العالم على شفا حرب نووية. اليوم، وفي وقت نرى فيه الولايات المتحدة وروسيا تواصلان مواجهة بعضهما البعض عبر العالم –من سوريا إلى أوكرانيا إلى الحرب السيبرانية– يمكن القول بأن «الشمال الأقصى» لا يشكل استثناءً. وفي هذا السياق، قال بوتين عن القطب الشمالي في خطاب ألقاه في مارس الماضي على الجمعية الفيدرالية الروسية: «إن هدفنا هو جعله طريق نقل عالمياً وتنافسياً حقاً». ومن جهتها، قد تكون الصين دخلت اللعبة أيضاً، حيث التقى الرئيس شي جينبينغ مؤخراً مع بوتين لمناقشة التعاون بشأن «طريق حرير متجمد». ومن الواضح أن القطب الشمالي بات قريباً على نحو خطير جداً من التحول إلى منطقة نزاع. فكيف لنا أن نصل إلى ما يصف حلفاؤنا الكنديون بـ«شمال أقصى ولكن توتر منخفض»؟ لنبدأ بالأوضاع الجيوسياسية، التي يمكن القول إنها معدة للتنافس. فروسيا تتمتع بأكبر اطلالة على المحيط القطبي. وعبر الجليد هناك خمس دول أعضاء في الناتو: كندا، والدنمارك، وآيسلاندا، والنرويج، والولايات المتحدة. ثم هناك صديقان أوروبيان آخران قريبان جداً من التحالف في الشمال، السويد وفنلندا، لديهما أراض مجاورة للقطب الشمالي. وعلى جانب الناتو، هناك وجهات نظر مختلفة بشأن كيفية النظر إلى القطب الشمالي. فقبل عدة سنوات، عندما كنتُ القائد العسكري للتحالف، أصبت بصدمة جراء اختلاف المواقف بين الحلفاء بشأن دور الناتو في الشمال، من كندا التي تعتقد بأنه ينبغي تجنب عسكرته، إلى النرويج التي كانت تدعو إلى مهمة للناتو في المنطقة. الأصدقاء والحلفاء الآخرون كانوا يقعون في مكان بين الرأيين، بينما أخذت الولايات المتحدة (بعد سنوات من تجاهل كل شيء تقريباً ما عدا إنتاج المحروقات في ألاسكا) تركز بشكل متزايد على المنطقة، بدءاً برصد تمويلات لكاسحات جليد وتسيير دوريات في الجو وتحت الجليد القطبي. أما بوتين فاتخذ موقفاً قوياً عبر رفع مستوى القوات المخصصة للمنطقة، حيث أضاف وحدات أرضية وجوية شمال الدائرة القطبية، مستخدماً أسطوله الكبير من كاسحات الجليد بشكل شرس في البحر. وفي الأثناء، تعمل الصين، رغم أنها لا تعد دولة قطبية بحكم موقعها الجغرافي، على بناء كاسحات جليد وتستعد للانخراط بقوة في المنطقة، عبر الشراكة الناشئة مع روسيا. كل هذا تزيد من تعقيده تأثيرات تغير المناخ، التي تذيب الغطاء الجليدي، وهو ما يفتح خطوط اتصال بحرية مهمة (طرق ملاحة) ويزيد تدفق السفن والطائرات التجارية والعسكرية. ولئن كانت الملاحة في القطب الشمالي لن تزدهر حقاً إلا بعد عقد من الزمن أو أكثر، فإن الصين وروسيا تخططان وتشيدان البنية التحتية من أجل الهيمنة على الطرق التجارية. وفي الأثناء، تعمل الغواصات تحت الجليد بشكل مستمر، في ما يشبه أحياناً إعادة لسيناريوهات الحرب الباردة. وأخيراً، هناك أيضاً قدر كبير من النفط والغاز الطبيعي تحت قاع البحر، وربما يكون الوصول إليه أكثر يسراً. وعليه، فالسؤال هو: كيف يمكننا تجنب حرب باردة هناك حيث تفادينا حتى الآن أي قتال؟ أولا، ينبغي على الولايات المتحدة أن تستثمر في المؤسسات الدولية التي توفر منتديات للحوار بين روسيا وبقية الدول القطبية. وفي صدارة القائمة هناك «المجلس القطبي»، وهو منظمة دولية منظمة بشكل فضفاض، لكنها عملية، ويجمع مجلسها كلا من وزراء الخارجية والقادة العسكريين في الدول الأعضاء. ثانياً، على البنتاغون زيادة قدرته على المراقبة والتحرك عسكرياً في القطب الشمالي. وعلى الكونجرس أن يخصص تمويلا لست كاسحات جليد على الأقل، والسماح بتطوير مخطط استراتيجي لإنشاء بنية تحتية مناسبة؛ من مطارات وموانئ ومنصات بحرية. ثالثاً، على واشنطن أن تسعى وراء مجالات تعاون مع روسيا، مجالات تشمل «دبلوماسية العلوم» لرعاية مهمات مشتركة لدراسة مواضيع بيئية من ارتفاع حرارة مياه البحر إلى ذوبان الجليد، والقيام بتمرينات لاختبار قدرتنا على مجابهة الكوارث البيئية (مثل بقع النفط)، وإنجاز عمليات البحث والإغاثة فوق مناطق واسعة، وما إلى ذلك. جيمس ستافريديس: أميرال أميركي متقاعد وقائد عسكري سابق لحلف «الناتو» ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»