''أعتقد أن الصحفي السيئ هو الذي يعتمد في معيشته على مصدر معلوماته، خاصة إذا كان هذا المصدر مسؤولا، وهو لذلك يعتبره شيئا مقدسا، يتفق معه، ويحميه، وينتهي الأمر به إلى الدخول في علاقة خطرة من التواطؤ معه، والذي قد يقود إلى جعله ينظر شزرا إلى المصادر الأخرى''·· هذه الفقرة مقتطفة عن ملاحظات الصحفي والكاتب الكولمبي ''جابرييل جارسيا ماركيز'' في المؤتمر الثاني والخمسين لجمعية الصحافة لعموم أميركا في أكتوبر عام ·1996 ورغم أن صاحب نوبل قد أعلن اعتقاده ذاك منذ ما يزيد على أحد عشر عاما، فأنا اليوم أجزم أن الصحافة السيئة هي التي تعتمد على شاكلة هذا الصحفي، وأن ما تعانيه صحافتنا العربية اليوم من ترد يعود -بشكل أساسي- إلى امتلاء مؤسساتنا الصحفية بهذا النوع من الصحفيين الذين انكبوا على تطوير علاقتهم بمصادرهم حتى باتوا موظفي علاقات عامة لها، بدل أن يكونوا رقباء على أداء المسؤول ومؤسسته في خدمة المصلحة العامة· وبغض النظر إن كان التواطؤ بين الصحفي والمصدر (الجهة -أو الشخص- التي يستقي الصحفي معلوماته منها) مقصودا أو غير ذلك، فإن المصلحة العامة هي المتضرر الأول من هذه العلاقة؛ المثير في هذا الأمر قيام بعض المؤسسات الصحفية بالتمسك بهذه النوعية من الصحفيين، واعتبارهم أوراقا رابحة، بل واعتماد أسلوبهم كثقافة عامة للمكان، على اعتبار أن لعلاقاتهم الوطيدة بمصادرهم دلالة مهنية تحسب للصحفي، متناسية تلك المؤسسة أو متجاهلة -وكلا الحالتين مصيبة- أن تشابك أجندة المصدر بأجندة الصحفي إضرار مباشر بأجندتها التي من المفترض أن المصلحة العامة تأتي على رأسها· نعود لرأي ''ماركيز'' حول نظرة الصحفي -المتواطئ مع المصدر- إلى المصادر الأخرى، إنه ينظر للآخرين ''شزرا'' أي برؤية تحمل الرفض والاستعداد للانقضاض عليه في أي لحظة، باعتباره عدوا؛ ومن هنا تكمن الخطورة، إذ يتحول الصحفي إلى كلب حراسة للمصدر، نابحا في وجه كل ما يمكن أن يمس مصدره -حتى لو رأياً مختلفاً-، وفي سبيل ذلك، يستغل الصحفي نفوذه المؤسسي في الحجر على الرأي الآخر المختلف مع المصدر، ليتحول إلى بوق له، وتتحول الصحيفة بدلا من مساحة للتعبير ومتنفس للرأي العام إلى أداة خنق للآخرين!!