ككثيرين غيري أصابني الألم لما حدث الأسبوع الماضي في مدينتنا الجميلة (بني ياس)، وحزنت كأي محب لهذه الأرض وغيور على ترابها من وصول الأمر لدرجة التلاعب بأرواح البشر، سواء بالعبث بتوزيع السموم، أو باستخدام الأسلحة النارية، وهي ممارسات مهما سمعنا عنها ووجدت إلا أنها تظل قليلة جداً ومحدودة، بسبب نعمة الأمن والأمان التي ميزنا بها الواهب. بالتأكيد كان الأمر مفجعاً، وصاعقاً، لكن ما زاد الأمر سوءاً رد الفعل الذي أصاب الناس وتناولوه وتبادلوه في أعقاب الحادثة، خاصة بعد الصورة التي ظهرت بها المدينة أمام الكثيرين الذين لا يعرفون (بني ياس) أو حتى لا يدركون موقعها على خريطة إمارة أبوظبي، سواء من المواطنين أو المقيمين؛ فاعتقدها البعض وكأنها مخدع للجرم ووكر للسوء والرذيلة، وهو الأمر الذي آلم أهلها ورفع درجة حساسيتهم تجاه المسألة، فأخذ الأمر منحى التعصب المبالغ كرد فعل لشعورهم بالإهانة.
هذه الحساسية تجعلنا نتعامل مع حادثة كهذه بآليات خاصة، كالجرّاح الذي يُخدر المنطقة التي يرغب في جراحتها ويستخدم لكل منطقة في الجسم مشرطاً خاصاً يختلف بين السماكة والرقة؛ علاج ما يراه البعض مشاكل فينا لا يحتاج إلى التعميم وإطلاق الأحكام العامة، بل إلى التركيز والتفصيل، ووضع المشرط على الخلل تماماً. ونعود للقصة من بدايتها.. فعندما أصدر صاحب السمو المغفور له -بإذن الله- الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في يوليو عام 1976 قراره وتوجيهاته بإنشاء مدينة جديدة عند دوار المفرق -في المنطقة الواقعة بين الطريقين المؤديين إلى كل من دبي والعين- وأطلق عليها اسم “بني ياس”، كان واضحاً تماماً المخطط الذي يجب أن تسير عليه آلية العمل في هذه المدينة وشكل النمو الذي يجب أن يكون فيها؛ وكما هو واضح من التاريخ، أن من ولد في هذه المدينة منذ ذلك الوقت هو الآن على مشارف الأربعين، ومن رحل إليها وهو في الابتدائية قد تعدى عقده الرابع، الأمر الذي يرفع درجة انتماء أبنائها للمدينة بكل تفاصيلها الإنسانية والمادية، ويكثف من تشعب علاقتهم بالمكان، ويجعلها عنصراً أساسياً في تكوينهم الكامل، وجميعنا يعرف ماذا يعني أن ينتقص أحد في تكوينك الخاص وما يمكن أن ينتج عن ذلك من إصابة مدمية لدى البعض.
لا أكتم سراً أني أتعامل مع تفاصيل هذه المدينة بحساسية مفرطة في أحيان كثيرة، وأجد أن التهوين من أي موقع قدم فيها إنما هو تهوين من بيتي الخاص، فأنا من شهدت على طرقاتها قبل أن تُرصف، ومررت بشوارعها قبل أن تُوضع فيها المصابيح الكهربائية، وأنا من كنت أنتظر الرحلة الأسبوعية مع والدي لنذهب إلي أبوظبي - في رحلة طريق كنت أراها تمتد لساعات- لشراء مستلزمات المدرسة وحاجات المنزل قبل أن تمتلئ بني ياس بالمحال ومراكز التسوق، وأنا من تعلمت بمدرستها الثانوية (ذات الصواري) -التي تخرج منها ما يزيد على ثلاثة أرباع الإماراتيات من إمارة أبوظبي- قبل أن تضج المدينة بالمدارس النموذجية والخاصة، وأنا من زرت بيوتها التي كانت ولا تزال مشرعة أبوابها حتي اليوم لكل جارة وزائر، وأنا التي ما زلت حتي اليوم أقف أمام باب منزلنا -الذي لا مفتاح له- أودع زائرة لنا بملابس الصلاة، وأذهب لأسلم على جارتنا دون إذن أو هاتف بنفس الملابس ودون تكلف أو تصنع. وأنا التي وقفت أمام (بوابة الشرق) تخنقني عبرة الفرح لأني شهدت افتتاح هذا المركز الضخم في مدينتي رغم أني زرت نصف عواصم الدنيا.. كل هذه وغيرها من التفاصيل التي تجعلنا نحن أبناء المدينة نساءً ورجالاً نتحسس بصدق وحب لأي شكل من أشكال الانتقاص من تاريخ ومستقبل (بني ياس) الجميلة.. ففصّلوا يا أهل القلم ولا تعمموا، واجعلوا أقلامكم كمشارط الجرّاح،، تعرف كيف تداوي،، لا كيف تدمي!


als.almenhaly@admedia.ae