البحر والقاع والأمواج
غالباً ما أمشي على شاطئ البحر، قدم في الماء، وقدم في الرمل، هذا السير على سيف البحر، يفتح أفق العينين على أفق المخيلة، ويجعل من الصدر ما يشبه المحارة، أما الجسد فحرّ، رشيق رشاقة فراشة، ويمشي كما لو أنه يطير·· الحركة الرتيبة للقدمين، لرجل مشّاء مثلي، والصوت المتماثل للأمواج في رجعها البعيد، وفي تكسراتها على الشاطئ، هو ما يجعلني كمغزل تغزل حوله الأفكار كالخيوط·· ولا حدود لهذه الأفكار من حيث هي تولد، وتتوالد، وتنسرح··· بعضها ابن الابتكار، والبعض الآخر يتوارد بالتذكر· من ذلك، على سبيل المثال، تلك الصورة الفذة التي كنت قرأتها للشاعر أوكتافيو باث، حول علاقة المحارة بالبحر، من جهة، وبالإنسان الذي يضع المحارة على أذنه من جهة ثانية· إن للمحارة شكل الأذن، وهي بنت البحر، حين تضعها على أذنك، تصغي من خلالها الى هدير الأمواج والأصوات البعيدة للبحر· يقول أوكتافيو باث: ''القصيدة هي المحارة التي تصدح فيها موسيقى العالم، وما القوافي والأوزان إلا ترددات وأصداء لهذه الهارمونية الكونية''·
فالكلام على البحر وأصواته وهديره، وعلى القوقعة، والأذن، ينتقل من مستوى لآخر، في هذا التمثل· إنه إيقاع البحر، ينتقل الى إيقاع الشعر··· والمسألة مسألة موسيقى، طقس موسيقي في البحر، كما في الشعر·
وأنا أمشي على شاطئ البحر، يخالجني إحساس أبعد من هذا التشبيه· إنه إحساس هندسي وموسيقي دائري، يبدأ من خطوة القدمين، ومن خلال العينين، ينسرح فوق الأمواج، باتجاه نهايات البحر، الأفق، حيث يتم اتصال ما، بين آخر البحر وأول السماء، فيرتفع البصر من هناك، من هذا التقاطع، كغيمة، نجد بداية قوس السماء، ويدور معه، في حركة دائرية، ما تلبث أن تحط على ذؤابات الجبال، وترتطم بها كغيمة، ''الغيمة - النظرة'' تكمل طريقها ودورتها لتعود عبر الأودية والسهول والمجاري الى أول البحر، الى حيث القدم تمشي تماماً على السيف· هكذا اكتملت دورة من القدمين على الشاطئ، الى القدمين، مروراً بالأمواج، صعوداً في نهايات الأمواج والأفق الى السماء، دوراناً مع استدارتها وصولاً الى الجبال فالسهول فشاطئ البحر··· ما الصلة بين كل ذلك، والشعر؟ أسأل نفسي وأجيب: كأني لا أتكلم هنا إلا على الشعر· العرب سموا أوزان الشعر، تسمية بحرية: بحور الشعر، فالشعر إذن بحر وموسيقى، أي إيقاع· إنه قريب من أمواج البحر· لكن أمواج البحر لا تتحرك في فراغ·· إنها موصولة بالقاع، من جهة، وبالسماء من جهة ثانية، وباليابسة الدائرية المفضية الى أرضية البحر أي يابسة القاع· وأسأل نفسي مرة ثانية: إذا كان الشعر أقرب الى الأمواج منه الى اليابسة، أفي الإمكان اعتبار القاع والرمل واليابسة، امتداداً نثرياً حاضناً ومكملاً للشعر؟
قال صلاح عبدالصبور: ''هل ماء النهر هو النهر؟''·
وأسأل: هل موج البحر هو البحر؟ هل موج البحر هو الشعر؟ أم كل ذلك جزء من مخيلة من يمشي مثلي على شاطئ البحر، بين الماء والرمل