هناك مصطلحات عالمية وردت على حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وترد علينا كل حين، لأننا جزء من هذا العالم الذي كبر واتسع حتى غدا أصغر من قرية صغيرة، بحكم الطفرات التكنولوجية، والقفزات المذهلة للعقل البشري، وتسخيره لكل ما في الطبيعة والمادة لخدمته ورفاهيته، وربما عزلته، وسلب إنسانيته، والتفريط في قيمه المثلى، مشكلة العامة عندنا أنهم يضجرون بسرعة من المصطلح، وبعضهم يشعر نحوه بعدم ارتياح، وبعضهم الآخر يصبح نفوراً بمجرد أن يسمعه، لكن المشكلة الأدهى أن المثقفين وأرباب الاختصاص، والضليعين في تخصص التخصص، هم الكارثة الحقيقية، فبعض منهم يكتفي بهز الرأس ليوحي للآخر أنه فاهم ومدرك المعنى، وبعض آخر يظل يخوض مع الخائضين، لكن لو أمسكته من يده، وطلبت منه على انفراد أن يشرح المسألة، فستظهر التأتأة، وكلمات كبيرة خارجة عن السياق، ولن تظفر إلا بقبض الريح، حينها يمكن أن نستعير له مثلاً قديماً موغلاً في المحلية، لكنه هو الرد الأنجع لمثل هذه الأشكال، ولمثل توغلهم وقبضهم على مفاصل رئيسة في حياتنا، وهم لا يفقهون قولاً، ولا يؤتون الناس نقيراً، القول المحلي هو: «شرّبي نخل صالح».
من بين هذه المصطلحات الكثيرة، «العولمة، الخصخصة أو الخوصصة، الحوكمة، البث التدفقي، المنصات الافتراضية، العلمنة، الذكاء الاصطناعي» وغيرها الكثير من المصطلحات التخصصية في كل مجال، لِمَ نقول هذا؟ لأننا وجدنا أنفسنا غارقين بسبب أهل الاختصاص الذين لا يعرفون معنى المصطلح، فكم من ماسك ومدقق حسابات أغرقنا في الديون، وكم من أعضاء مجلس إدارة غير متخصصين، ولا يقولون لا نعرف، ويتدرعون بموظفين صغار لكي يشرحوا لهم بعض المصطلحات المهنية المعقدة في رأيهم، زارعين فيهم الثقة، لكن الصغار يريدون أن يكبروا، وينجحوا، فيمررون خَلل الرماد ناراً، فتحرق المؤسسة، وتزيد الأعباء، ويرمح القاع من لا أرض له، ويبهت الأعضاء، متسائلين، كيف، ولماذا، ومتى، وأين؟ من دون أسف.
في الحياة هناك مفاصل لعجلتها، وهي أساسية، ولا تؤتمن لغير الوطني أولاً، والمواطن ثانياً، وفي الحياة يفترض ألا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ونحن كل عقد بلدغة، وكل فترة بكارثة، لأننا لا نؤمن بالعمل التراكمي الذي يؤسس ويمتن التجربة في كل مجال، نحن كلما جاءت أمة لعنت أختها، وبدأوا من أول وجديد، وفي الحياة هناك النجار والفلاح والتاجر والحداد، فلا يؤتمن الحداد على خشب، ولا النجار يقدر أن يفعل بذاك الفولاذ شيئاً، لذا انشدوا الاختصاص، وإن استطعتم أن تجدوا اختصاصاً في التخصص فلا تقصروا، لأننا لا نريد أن نبكي على اللبن المسكوب في الصيف، ولا نريد أن نسلم خواصرنا لكل واحد يحمل خنجراً.. وإلا ستظل نخل صالح تشرب حتى ولو لم يكن وقت البادّة! وسلمتوا..


