تناهى إلى مسامعي قبل أيام صوت «صرناخ» يشدو بأنشودته الصيفية التي تشبه صوتا صادرا عن آلة الكمان الموسيقية كما صوروها لنا في أفلام الكرتون، والصرناخ لمن لا يعرفه حشرة قبيحة تصدر صوتا يشبه الصراخ المتواصل، كلما جاء القيظ أو الصيف في الإمارات.. المهم أن صوت الصرناخ أعادني إلى الوراء كثيرا، إلى تلك السدرة الكبيرة خلف منزلنا القديم عندما كنا صغارا نلهو تحت ظلها في عز الصيف، نحاول صيد الصرانيخ لنضعها في «غرشة» زجاجية لمجرد لهو صبياني، كنا نستغرب من تلك الحشرة التي تظهر في الصيف فقط لتقوم بدورها في الحياة بمثابة المعلن عن تباشير القيظ وتستمر هكذا، تقوم صباح كل يوم لتؤدي وظيفتها المعتادة إلى غروب الشمس وتستمر كذلك حتى نهاية دورة حياتها التي تستمر لمدة أربعة أشهر قبل أن تفارق الحياة وتجف لتثير استغرابنا ودهشتنا في الصيف القادم عندما ينشق ظهرها ليظهر منها صرناخ جديد حي يقوم بدورته في الحياة إلى أن يشاء الله.. أمر عجيب لا يزال يثير دهشتي واستغرابي وهو ما جعلني اشعر بالأسى على أجيال هذه الأيام، فكثير منهم لا يرى البيئة كما هي، فهو محتجز إما في شقة صغيرة وسط غابة من البنايات الإسمنتية أو في منزل صغير تفاصيله ليست متباينة، خصوصا بعد أن تقلصت منازل المواطنين لدرجة أنها لم تعد تتسع لحديقة صغيرة ولا حتى لـ «حوي» يضم ألعاب الصغار، بل طلعت علينا شركات العقار باختراعات جديدة، وظهرت أسماء للمنازل فمن «تاون هاوس» إلى «ديولكس فيلا» مرورا «ببنت هاوس» و«ولد هاوس» وأسماء ما انزل الله بها من سلطان.. لدرجة تجعلنا نترحم على أيام كانت فيها الأراضي السكنية التي تمنح للمواطنين شاسعة وتكفي لملعب كرة قدم وتقلصت الآن في زمن كل شيء فيه صار يحسب بقيمته السوقية لتصبح بحجم طاولة البلياردو، مع أننا نعيش في ظل طفرة نفطية وتنمية مستدامة غير مسبوقة إضافة إلى أن هناك أكثر من 60 بالمائة من أراضي الدولة غير مأهولة بالسكان.. لعنت الصرناخ المسكين لأنه أوقظ ذكريات جميلة جعلتني أتحسر على الماضي الجميل الذي لن يخرج من ظهر الزمان ليبعث حيا من جديد، وتذكرت والدي رحمه الله، وتذكرت أن من حق طفلي أن يرى ما رأيت وأن يلعب ويلهو بمفردات البيئة المحيطة، وأن يرى مثل هذه المخلوقات وأن يسمع صوتها، أن يرى البحر وأن يرى الطبيعة كما خلقها الله، في الواقع هناك أشياء كثيرة سيفتقدها طفلي كغيره من أقرانه.. amal.almehairi@admedia.ae