الزحف الرمادي
مع تزايد عدد السكان، تكاثف العمران وأصبح الأمر عصياً على المرء أن يفرق ما بين مساحة خضراء وأخرى رمادية·· فالاسمنت القابض على عنق الرمال، الرابض على صدر الكثبان، صار أمراً مقضياً ولا فكاك من الزحف والرجف، والنزف والغرف اليومي من طاقات إمارة مثل إمارة رأس الخيمة التي كانت تتمتع بطبيعة خلابة وساحات خضراء جذابة، اليوم كل شيء تغيّر ومع هذا التغيّر لابد أن تتغيّر الصورة النمطية للتفكير، ولابد أن نفكر بجدية لتخليص الرمال من غزوة الاسمنت الشرسة، ولابد من تخطيط يتناسب مع الحاجة إلى أرض لا يعكر صفوها البنيان العشوائي، لابد من تخطيط حليم رحيم، قويم، لا يهز بنية ولا يجز أمنية، وأمنياتنا أن يكون التخطيط العمراني موازياً للتخطيط الجمالي لإمارة تمتعت على مدى السنين بكثبان رملية ذهبية، جذبت القلوب وشدّت العقول·
فالبيوت المتراصة والمتراكمة والمتزاحمة بلا ترتيب ولا تهذيب، والتي جاءت عن ولادة متعسرة لا تفسر إلا شيئاً واحداً هو أن هناك رغبة متسرعة في مطاردة الطبيعة وتشويهها، وتسويفها، وطردها إلى مكان آخر، ولا مكان لها غير الفراغ، والفراغ لا يمنح مكاناً ولا موطئاً·· ما يفعله البنيان العشوائي في رأس الخيمة هو تشريد حقيقي لأمان واطمئنان الطبيعة، وهو ملاحقة عنيفة مخيفة للطبيعة هي أشبه بالهزة الأرضية، التي زلزلت المكان وفرّغت الإنسان والزمان من معناه ومضمونه، لاشك أن التطور أمر لابد منه ولاشك أن من الواجب أن نبني ونُعمّر ونشيّد، ونشد العزم للسير قدماً نحو مستقبل ناصع ومشرق، ولكن عندما يكون البنيان على حساب روح الإنسان والروح هنا ارتبطت وتشعبت وتسامقت مع هذه الكائنات الحية التي تسمى رمالا حمراء، وكثبانا شهباء، يكون هنا الخلل ويكون الزلل، ويكون الأفول وإرخاء السدول·
رأس الخيمة إمارة واعدة ومع الوعد لابد أن يكون العهد ولابد أن يكون السرد الحقيقي لمكنون الطبيعة، ولابد أن نسير باتجاه المستقبل، ونحن مخضبون بحناء الأخضر والأحمر، وألا تسلب ألبابنا رائحة الاسمنت، ولا تخلب عقولنا ألوانه الرمادية، نحن بحاجة إلى لون الرمال، والتي هي سترنا وحظنا وحفظنا، من كل صبوة غير محسوبة، أو هفوة غير مقدرة، نريد قفزة لا تتهشم العظام ولا تزيح اللثام عن وجه حافظ على جماله وداوم على السير هوناً دون أن نخض الأرض أو نرض ترابها بأزيز الجرّارات الحمقاء·
نتمنى لبلادنا النهوض بلا رضوض، والانتعاش بلا ارتعاش، وألا تحال الأرض اليانعة الناصعة إلى المعاش·· نتمنى لهذا البنيان أن يكون إضافة ترتفع بالأرض والإنسان، والأشجان، ونتمنى أن يضع المخططون في حسبانهم أن العين تعشق قبل القلب أحياناً، وفي كثير من الأحيان، الأمر الذي يفرض عليهم أن يفتحوا الأبصار على الديار وأن يروا ما يفعله الاسمنت من سيئات وسوءات إذا ما بعثر وعثر بصورة لا متأنية في البناء، ولا متفانية من أجل النماء·· نتمنى أن تكون أيديهم خفيفة رئيفة، لطيفة مع هذا الرمل الذي منه أجسادنا وفيه أرواحنا وإليه دماؤنا·· نتمنى أن يكون التخطيط سليماً معافى من فوضى التشييد والتعبيد، والتمهيد والتسديد، نتمنى أن يكونوا رحماء في توزيع المساكين وألا تصبح البيوت كأحجار شطرنج متناثرة، مبعثرة هنا وهناك·· نتمنى ألا تخدش بيوت حياء بيوت أخرى، وألا تطل أحدها على الأخرى من علٍ، كالطيور الجارحة وكأنها تتأهب للانقضاض على فريسة طيّعة·· نتمنى وأمنياتنا كثيرة، وطموحاتنا أكثر، وإمكانات هذه الإمارة تتيح لها فرص النهوض وبجدارة، فقط نحتاج إلى التريث في التداخل مع الرمل·