كثيرا ما يهرب الكاتب من القالب المباشر للبوح في السيرة الذاتية، إلى نوع موازٍ من البوح فيما نطلق عليه نحن النقاد رواية السيرة الذاتية، أو رواية التربية، وهي نوع من الرواية، تتضاءل فيه المسافة بين الراوي الموجود في الرواية والكاتب المختفي وراءه، كليا أو جزئيا ومن أمثلة ذلك في الأدب العالمي رواية “التربية العاطفية” التي تحمل بعض ملامح حياة الكاتب الفرنسى فلوبير، أما في الأدب العربي فالنماذج كثيرة، حيث يتطابق البطل في “عصفور من الشرق” مع شخصية توفيق الحكيم في فترة إقامته في باريس، حيث كانت الرومانسية توأم الإعجاب بباريس “فترينة الدنيا”، وقل الأمر نفسه عن “عودة الروح” التي فيها من طفولته الكثير، وليس البطل في “قنديل أم هاشم” بعيدا عن الكاتب يحيى حقي، وقبله هناك “إبراهيم الثاني” لإبراهيم عبد القادر المازني. وفي مثل هذه الروايات يضع الكاتب نفسه وراء قناع الشخصية التي تمثله في فترة زمنية من حياته، تماما كما فعل العقاد في تخفيه وراء قناع البطل في روايته الوحيدة “سارة”، وهي هجائية سردية قاسية للمرأة التي أحبها العقاد، وكانت ممثلة سينمائية شهيرة في أول حياتها الفنية. وقد تكاثرت أشكال حضور الروائي العربي المعاصر على نحو مباشر أو غير مباشر، كما حدث في “تجليات الغيطاني” التي اتحد فيها عبد الناصر بالأب، وسعى الابن الرمزي والواقعي إلى ما وراء التجليات، حيث يكمن السر الأكبر الذي لا يتجلى إلا بالكشف والغيبة عن الخلق. وتلجأ الروائية اللبنانية علوية صبح إلى خلق شخصية لها، في رواياتها، مثل “مريم الحكايا” و”دنيا” و”اسمه الغرام” التي هي آخر أعمالها. ويلجأ إلى الحيلة نفسها طالب الرفاعي الروائي الكويتي الذي يضع ذاته في رواياته، فيجعل من نفسه موضوعا للقص وفاعلا له على السواء. وأعتقد أن وجود “الأقنعة” وخلق أنواع من “القرين” في الشعر الحديث إنما هو نوع من مواجهة تدفق الذاتية وبوح النفس المباشر الذي يحدث في القصيدة الرومانسية، فالقناع كالقرين في القصيدة الحديثة، يحول بين الذات الشاعرة والدفق المباشر للانفعالات، ويمنع القصيدة من الانزلاق الآني على وعي القارئ، ويدفع به إلى تأمل القناع أو القرين، ومن ثم التمثل غير المباشر والأعمق لمعانيها وأهدافها وما أكثر أقنعة الأنبياء، كما فعل بدر شاكر السياب في قصيدة “المسيح بعد الصلب”. وأضف إلى ذلك قصائد أدونيس التي تقوم على قناع الفينيق برمزيته المرتبطة بالنار التي هي نقيض الرماد وقرينة الحياة. وقد ظهر القرين في شعر خليل حاوي، كما اقترن القرين بالقناع عن سعدي يوسف في قصائده عن “الأخضر بن يوسف” وهو الاسم الذي أصبح عنوانا كاملا لديوان “الأخضر بن يوسف ومشاغله”. وكل ذلك حيل خفية لمراوغة مبدأ الواقع وإتاحة الوسائل المراوغة لإنطاق مصاحبات مبدأ الرغبة