خبيصة وفيها نغيصة
من منا لا يحب الخبيصة، وهي من العمود الفقري للمأكولات الإماراتية، ومن يعرفني كثيراً يعرف جيداً تلك العلاقة التي تربطني بثلاثية الرعب «الخبيصة، والحلواة، والرهش»، فكم ترعبني زياراتي للأرحام للسلام عليهم في العيد الصغير، والمكبة تغطي جميع المأكولات التي أغرقها السمن والعسل وذابت تفاصيلها في محتواها الكولسترولي. ويذكرني المعمرون في تلك المواقف بأنهم لم يكونوا مبالغين في تناولهم لما يشتهون من طعام، لإيمانهم بالمثل القائل «ريحته ولا جميحته»، فقد حالت ظروف الزمان من توفير ما تشتهيه النفس دائماً، لتكتفي بالأمل وتقتنع بالقليل.
قالت لي شخصية مرموقة ذات يوم، عندما كنا صغاراً، كان لكل فردٍ من أفراد العائلة سهم، فإن تغيب عند القسمة عزلوا نصيبه، وفرح به عندما يعود... اليوم يقيل الأكل على الطاولات ولا حد يهبش منه شيء، فسألته: انزين عمي، وشو رأيك في الخبيصة؟ فحارت الدموع في عينيه، ونظر إلى بحزنٍ قائلاً: «عقب خبيصة أمك ما طاح بطني الخبيص... وينها الخدمة الأولية؟».
تداركت الموقف بأن سألته عن فوائد الخبيص، فكان جوابه ملخصاً في المثل الشعبي الخبيصة اليوم «خبيصة وفيها نغيصة».. فهمتي؟
فكان ردي غريباً، بأن قلت له: أنا ويا الخبيصة شرات الحمالي واللقيمات!
فضحك مستبشراً، وقال: صدقتي... واللي يبا يطعمك يدل ثمك.
للعارفين أقول، الاعتدال والاتزان والوسطية في كل شيء، من الأمور المحمودة، لذا علينا أن لا نأكل الخبيصة في اليوم المفتوح، ونلتزم بالقناعة والاتزان بتناولها بقناعة، لتكون سبباً للمتعة، لا الإفراط والتنغيص. فدولة الإمارات العربية المتحدة وطن بعيد في قلوبنا، ومن أبرز سماته نشر الخير في كل ما يتعلق بأمور الحياة منذ فجر التاريخ، لذا كان لا بد من حصر إرثه المحكي، وتوجهاته الفكرية بمراحلها، وتوثيق ما يتعلق بالاختيارات الشخصية، فهي المحك الحقيقي الذي يقاس به سلوك، ولغة وطرق حفظ ذلك الإرث.