يستنكِر، يستغرب، ويتعجب «سلفادور دالي» من فنان تشكيلي لا يقرأ إلا القليل، أو يكتفي بقراءات في المجال التشكيلي، عاكساً – دالي – الموضوع أيضاً على كل صاحب مهنة عامة، أو أي نوع إبداعي. إذ لماذا يكتفي أي منا أولاً بقراءة القليل، أو قراءة ما يُعنى به في ما نحن متخصصون فيه فقط. هو بذلك لا يدعو للشخص الموسوعي، بقدر ما يحسب المسألة تشريحياً، فكأن الذي يقرأ في اتجاه واحد؛ يُغذِّي إصبعاً ليس إلا في اليد، مُهْمِلاً البقية، فيصبح بعد فترة متشوهاً مَنْظَراً، وغير قادرٍ على أداء تفاعلي جماعي لأصابع اليد معاً، كلها. وكل ذلك تحت وفوق طائلة حِسْبةٍ تؤول إلى المعرفة كنقاط يؤدي بعضها إلى بعض، حياةً وضرورةً. يبدو أن «دالي» بوصوله إلى ذلك الكلام، كان يُشَكِّل بحد ذاته نموذجاً بين مَن حوله، فيقول هذا ما أفعله، وهذا ما يجب، وأن ما أنتم عليه يُنقِص من قيمة وجودكم، أو أقلاً يحد من فعالية أذهانكم، ولا يُحَضِّركم بما يكفي لتحقيق تصوراتكم الإبداعية كما تريدون، منذ تكونها الجنيني وحتى الكشف عنها. القراءة إذن مصير يساهم بضراوة معنا في تحققنا الوجودي. كان «دالي» يلتهم الكتب التهاماً، كما يقول. ولم يكن قد تعدى السادسة عشرة من عمره بعد. التهام أي كتاب بالنسبة له؛ هو التهام لمؤلفه أيضاً، فهو لا يفصل بين النَص المُنتج وصانعه، فعندما نشتري ملبساً ما نشتريه لأنه مصنوع جيداً، وإن وجدنا فيه عيباً أرجعناه واستبدلناه. أو أن هناك ملابس وطبقاً لخاماتها لا تعيش أكثر من وقت صغير. ليست القراءة إذن رحلة في حديقة حيوان، أو نزهة تنفس وانتعاش أمام البحر. إنها تثوير لتَجدد، خرق للمستقر المستكين، وحتى خرق للفاعل المتحفز، لأننا نتكلم هنا عن حياة مُنشغلة بالحياة إلى أقصى ما يمكن من التمتع جمالاً ومعرفة بها. كيف نلتهم كتاباً على طريقة «دالي»؟ وكيف نلتهم صانعه معه؟ الطريقة «الدالية» لذلك بسيطة جداً، فهو نفسه يقول: أقرأ الكثير من الكتب، أقرأ بنهم، التهمها والتهم أصحابها معها، لا أبقي منهم شيئاً، إلا أنني لم أستطع إنهاء «نيتشة»، وكلما أعدت قراءته زادت الهوة بيني وبين قدرتي على التغلب عليه، لكنني كنت مُصراً أن ثمة نقطة ضعف فيه. ذات يوم كانت أمامي صورة له، وانتبهت إلى شَنَب «نيتشة» يتدلى متهدلاً إلى الأسفل، وليس متساوياً، له وضعية آسنة تأخذ عين هذا الفيلسوف العبقري معه إلى الأسفل. فقررت من يومها رفع شاربي إلى الأعلى وجعله قوياً. يهزم «نيتشة» «دالي» معرفياً، ويتغلب «دالي» على «نيتشة» شَنِبياً. هذه هي الوصفة إذن. القراءة عند النقطة المنعدمة الوجود، هي خشبة المسرح الوحيدة؛ لنعرف ما هو معنى كتاب وكاتب. «دالي» يطرح تجربته كمخالفة ضرورية للخنوع القِرائي، وعندما يصطدم بـ»نيتشه» يعرف أنه عاد للنقطة المنعدمة ليبدأ من جديد، وما أدرانا ما هو «نيتشه». ??? الأجنه تحت المطر عِش عصفور وفـ حُضنها قوارب الصيـد للنور خُدنـا فـ قلبـك، فـ دِيْلَك يا عشقنا يا حَدْسنا لسرير وستاير وهَم مسرور eachpattern@hotmail.com