نميل إلى الاعتقاد أن الأخلاق منظومة متناغمة لا تعرف التناقض، وأن قيمها الكبرى تقف دائماً على الصف نفسه. الصدق أساس الحكمة، والعدل أصله الرحمة. هكذا اعتقدت دوماً، أن الفضائل لا تتصادم، وأننا لا يمكن أن نضطر للاختيار بين خيارين متنازعين. غير أن الواقع يفرض سياقات أخرى تثبت أن ما كنت أعتقده ما هو إلا «وهم أخلاقي»، بأن الخير واضح، والشر فاضح، وكأننا دائماً ستكون لنا إجابة واحدة بشأنهما، رد لا لبس فيه.. فيما الحقيقة غير ذلك تماماً.
قدمت مسرحية شكسبير «الملك لير» التي كتبها في عام 1608، نموذجاً للواقع الإنساني المعقد الذي يفرض ذاك النوع من الصراع بين القيم، عندما وقف الصدق بعناد في وجه الحكمة، فخسر الجميع وضاعت المملكة. ففي القصة خَيَّر الملك المسن بناته بأن تصف كل منهن حبها له، فبالغن البنات في مدح هذه العلاقة طمعاً في كرمه، وعندما جاء دور ابنته الصغيرة «كورديليا»، أخبرته أنها تحبه جداً.. وفقط. لم تصغ الصغيرة الكلمات المنمقة والتشبيهات البليغة كأخواتها، فغضب الملك عليها وطردها من رعايته، وقسم مملكته بين بناته. تذهب القصة للأسوأ فيما بعد عندما يَعققن الأميرات والدهن الملك لير ويعبثن بالمملكة، ولا يبره سوى صغيرته التي عادت لتنقذه، ولكنها تموت، ويموت الأب، ويذهب المُلك.
في المسرحية التي شهدتُ عرضها مؤخراً على المسرح القومي في القاهرة، أدرك الملك «لير» متأخراً أن الحب الحقيقي لا يشترط المبالغات، وأن كثيراً من هذا الزيف اللغوي قد يخفي مشاعر كره وعداء. غير أن تداعيات القصة لا تعني إطلاقاً أن الأميرة الصادقة كانت على صواب!
كانت «كورديليا» صادقة.. بقسوة، لم تراعي هشاشة والدها المسن، ولا شروط اللحظة التي احتاجت إليها مملكته. كانت أنانية عندما أصرت أن تُعلي قيمها، على حساب إرضاء والدها، والحفاظ على وحدة أراضي المملكة التي شتتت بين الشقيقتين المنافقتين. اعتبرت «كورديليا» صدقها أثمن من أي شيء يمكن خسارته.
في هذا السياق، تعارضت القيم. كان الصدق بعيداً عن الحكمة، بل معارضاً لها. لقد كان الصدق هنا غير أخلاقي، بعيداً عن الرحمة، غير نافع وظالم! وهنا تبرز أسئلة علينا إثارتها بأمانة مع أنفسنا، هل نشتري راحة ضمائرنا.. بخراب حياة الآخرين؟ إذا تصادمت قيمة «الصدق» مع قيمة «الرحمة» فأيهما يمنحنا إنسانيتنا؟!