الكويت.. وطن الخير والعطاء، بلد الود والمحبة، والناس الطيبين، هو صغير بمساحته لكنه كبير بأهله، صغير بحدوده لكنه جزيل الوصل، كثير العطايا، يكفي أن الكويتي حين يرى قريباً أو غريباً أول كلمة تخرج من صدره: الله بالخير!
للكويت منزلة في القلب، جاءت من الخير وإسداء المعروف للناس في زمن الفاقة والحاجة، وجاءت من جميل أحاديثهم، وبديع تغنيهم بها، وما عملت لأهل الإمارات، كانت الكويت دائماً حاضرة في الإمارات، قديماً بما التزمت به تجاه أخوة وجيران دون مِنّة ولا رجاء، كان الخير وحده، والود وحده ما جعلها حاضرة وبقوة في نفوس الآباء، وحديثاً في نفوس أبنائهم. 
أما بالنسبة لي، فقد كانت الكويت هي السبّاقة التي سربت لنا المعرفة منذ بداية الستينيات من خلال بعثاتها التعليمية، والإعلامية، وكانت تحتضن شبابنا العاملين عندها، حين كان الوقت شدة، ولديهم رخاء، وكانت مجلتها «العربي» مرسالاً لها في الوطن العربي، وسلسلة كتب عالم المعرفة، وصحافتها ومجلاتها التي كانت تشهد نهضة صحفية متطورة ومختلفة، وكان تلفزيونها يبث تسجيلات من حلقات برنامج «سين جيم» للمرحوم «شريف العلمي»، وكان يفرحنا بمسرحيات ومسلسلات بالأبيض والأسود، وبثه لأغاني ناظم الغزالي وعبدالحليم حافظ، وتسجيلات نادرة لمطربين من الوطن العربي، لولا وزارة الإعلام الكويتية بإذاعاتها المختلفة وتلفزيونها لما بقيت حتى يومنا كجزء من إرث فني عربي مهم.
وكذلك بالنسبة لي كانت رسائل كثيرة تصل مبنى البريد القديم «البريستي» في العين، يومها شاهدت أول طوابع الكويت التي تحمل صور المغفور له «عبدالله السالم»، وصور المرحوم «صباح السالم»، وصوراً لسفن كويتية كانت سبقتنا للنزول في البحر نحو جهات زرقاء داكنة، كانت الكويت حاضرة باستمرار في الذاكرة الطفولية، والذاكرة الجماعية، وما يتناقله الأهالي عنها، وما يصلنا منها من منشورات وأعمال فنية، وما درسناه من مناهجها في صفوفنا الأولى، غير أنها كانت بعيدة في ذاك الوقت عن السفر، وحين عرفنا السفر حلّقت بِنَا الأجنحة لأماكن أبعد من بحرها، وكان عليّ أن أنتظر حتى أبلغ الخامسة والعشرين عاماً، ومع بداية النشر الأدبي، لأدخل الكويت من باب الملتقى القصصي العربي، يومها رأيت أدباء كباراً كنت اقرأ لهم وعنهم، مثل الطيب صالح، وجبرا إبراهيم جبرا، وعبدالرزاق البصير، وإسماعيل فهد إسماعيل، وليلى العثمان، وعبد العزيز السريّع، وفؤاد زكريا وعلي السبتي، وغيرهم.
كانت الزيارة الأولى مدهشة لمدينة كنت أسمع بها وعنها، كنت شغوفاً حينها أن لا تفوتني أية مفردة كنت أعرفها عن الحياة الكويتية، من الأكل إلى الصحافة إلى تفاصيل المدينة، بعدها قلت اكتفيت، وجئتها ثانية بعد عامين، وكانت يومها بوابة لزيارة بغداد، وجئتها ثالثة في عام الفجيعة، وأثناء الاستعداد لتحريرها، زرت أقرب منطقة فيها عند حدودها، يومها شعرت بغصة المدينة، وبانغراس ذاك الخنجر الصدئ في خاصرتها، وأن هناك دمعتين تحجرتا في مقلتيها، واحدة ساخنة على نفسها، وأخرى باردة على غدر الأقارب، وجئتها رابعة بين الفرح والحزن، حزن على ما حصل، وفرح بما حصل، كانت زيارة بعد التحرير بأيام قليلة، وبعدها كانت رحلات متكررة، أكثرها ثقافية وإعلامية، وكلما جئتها، جئتها سعيداً أحمل شوقي القديم، لأسرد لها خفايا همهمات ذاك الفتى الذي تعلم منها ومن خلالها وبواسطتها الكثير، قاصّاً عليها بعضاً من طقوسه في الفجر والحب والكتابة.
الكويت اليوم.. لا شك أنها مختلفة، لكنها تغيرت، هي الكويت كعادتها غير أنَّ ثَمَّ حزناً دفيناً لا يقرأه غير محب، وغير مُوِد، الكويت قادرة على النهوض والبناء والتسامح، وهي تحفظ ما حصل، غير أنها تتجاوز لما هو آت، الكويت.. ليت زرعها دوماً أخضر، ودربها دوماً أخضر، وقلبها يبرد، وتظل مشعّة بضوئها وضيائها كعادتها نحو كل الجهات التي عرفتها يوماً، وحفظت ودها ووصلها أبداً، ومدت يدها بالخير للكل دوماً.. فاللهم احفظها وثبت أمرها، واجعلها آمنة مستقرة سخاء، رخاء، ولا أطال جرحها، ولا عطل وقتها، وجعلها متعافية بناسها وأصدقائها، وقوة إرادتها، وذاك البناء الذي تريد لمستقبلها، من الإمارات إلى الكويت ألف تحية ود، وألف باقة ورد ولا تكفي، لأن ما بيننا لا يزال يسيره الخير والعطاء والود والمعروف وجميل الإحسان، وكل المعاني التي تربطنا، وتجعلنا نبني من ضلوعنا جسراً لا يعبر عليه غير الأصدقاء المحبين.