إن الرياح التي تهبّ من هناك، مع اتساع زوايا الاحتمال والترقب، تحمل بشارة القمح والسنابل والأهازيج، تحمل رعشة البدايات الأولى للأرض، زمن التكوين الغامض، رائحة الربيع، رائحة عناق وانعتاق.
تستدير الفصول ليأتي فصل أمومة الأشياء، فصل النساء، تعجز الفصول الأخرى عن إنجاز شيء من الحب إذا غاب الربيع، لعله في زمن الديمومة كان الربيع وحيداً ينجز الأشياء، ولم يكن في الأرض سوى الفرح والوفرة والخصوبة الخالدة، وليس ثمة ثنائي يكسر فكرة الربيع المُطلق، ثم حدث أن انقسم كل شيء إلى عالم حس وعالم روح، كل شيء كان واحداً ثم حدث أن انفصلت الأشياء وتعددت..
هكذا أتخيل الرّبيع، كفكرة الفراغ والامتلاء في فلسفة الزّن: (ما من شيء إلا ويولد من الفراغ، وإلى الفراغ يعود)، ما من فصل إلا ويولد من الرّبيع، وإلى رحم الرّبيع يعود، الربيع هو الفراغ الذي يحرّض على الامتلاء، امتلاؤنا به، امتلاء غامض مثل كشف ينفتح من سرّ سماوي في منتهى الدّقة والكمال.
الربيع خطى صبوة قديمة، هو الحبّ في أوله، نوستالوجيا مبهمة من فرط لذّتها يصعب تذكر الذاكرة، ماذا يفعل الرّبيع بالذاكرة؟
هو ذا الرّبيع يا أبي قد أتى، فخذنا إلى الجبال.
في إجازة الرّبيع عادة ما نحرس حركة الغمام الثقيل، عسى أن يخرج أبي من معسكره الجبلي باكراً بعد تنبؤات السيل، وكعادته لا يبالي بقلق البيت عليه، لا يعود إلا وفي يديه قطاف النّبق، أو زهوراً من رأس الوادي، إذا ما خلع زيّه العسكري عادت إليه رائحة الوادي والوعوب والفلاحين، ورائحة النجّار القديم.
***
في الربيع أولاد القرية يقررون السير إلى المدرسة على أقدامهم، إذا ما دخلوا من بابها قفزوا من سورها الخلفي إلى الضحى، واختبأوا بين ثغور الوادي وسبحوا بعيداً بين أوراق النّبات، تاركين على السّفح كتبهم بأحزمتها يشرب من حبرها المطر.
في الربيع غناء صبيّة مسحورة بأكاليل الزهور المشبعة بالمطر، تسير في السّهل وتهمل عباءتها على صخرة، وعروس هناك ترتدي طرحة البلاد وتسترشد دربها من وحي الشمس، وفراشة تحاول أن توقظ الكون بجناحيها، وقوة في الأرض كامنة في بذرة، تحاول أن تستدير لتكون المركز الذي تنمو فيه شجرة الكون.
وُلِد الحدس في الربيع، وُلِد الشوق معه، تحديداً بعد مولد راحة الظل على الأرض، ثم استتر خلف نباهة الروح ورهافة الصوت ومواعيد الحب.
عاد دموزي الرّاعي بخلوده الجزئي مندفعاً من العالم السفلي، وبيده نجمة ثمانية وتاج نخلة، يخصّب الحياة ويبعث عطرها المنعش، وانفلق من جديد ذلك المنبع التاريخي لأسطورة الزواج المقدس، خرج من ظلمات الأرض، ليظهر إلى السطح ويخصب (عشتار إلهة الجمال والأنوثة والحكايات) فتنتعش الحياة والولادات الجديدة، وتتنفس الأرض عشباً ومطراً وجناناً ومحبة.
***
في الربيع يكبر ارتباطنا بسرّ هذه الأرض وبالريّ الذي يأتي من السماء، كانت زهرة المراعي سر الجاذبية والوصال، تآخينا مع الطبيعة وكان رابطنا وجدانياً قائماً على الشوق والتسامح مع الفقر والحزن وضيق الحال، كانت المراعي هي مدرستنا الوحيدة، والانتظار وتأمل النموّ البطيء هو درسنا الوحيد، فما إن يسقط المطر الربيعي ويأتي موسم التكاثر والخصوبة حتى نسارع في الخروج من كل شيء، بدءًا بالخروج من ثقل الجسد.
ثمة تعاليم في الأرض درسها الأول هو الانتظار، انتظار كرامات الماء.. انتظار نشوء الحب بين الأشياء، انتظار تزاوجها، انتظار حصادها، انتظار ذوبانها في اللّب، انتظار السواعد الجبلية، انتظار العمل، انتظار الصلاة، وانتظار أثر الإيمان.
تنهيدة الزهور البريّة في فضاء قاس هو تعبير أولي لمنازل العرفان للخلاص من المعاناة، إن الإبداع يولد من رحم المعاناة، والزهور إبداع يفيض من حرمان الأرض.
***
انجراف حاسم لصفاتها وشكلها ومواطن اجتماعها، وللإنسان الإماراتي قدرة تخيّل الأسماء وإطلاقها على كل زهرة ونبتة، مانحاً لها فوارق رمزية أقرب إلى عذوبة وبساطة اللهجة المحلية واللغة البيئية المعاشة، لكل نبتة أكثر من اسم، ومن النادر جداً أن يكون للنبتة الواحدة اسم متفق عليه، ويعود اختلاف المسميات ربما إلى اختلاف المناطق والقبائل والهويات المارة على أرض الإمارات منذ زمن القوافل التجارية والرّحلية.
لسنوات طويلة مثّلت الجبال والسهول بالنسبة للإنسان الإماراتي القديم صيدلية مفتوحة وممتلئة بالثروة الصحية، فما إن شعروا بألم في موضع ما من الجسد، عثروا على دواء له من موقع قريب أو نائي. تلك الزهور التي أعنيها في هذه المادة يكون المطر ماؤها الوحيد لكي تنمو بجمال طبيعي، كان البحث عنها يسيراً بعض الشيء في هذا الموسم، مئات الأنواع، إذ لا يمكن حصر العدد في ربيع واحد أو ربيعين.
عطرها الناهض في الأجواء هو المرشد الواثق على منابت النضج والتكون ومكامن البعث من جديد، إنها تنمو في كل مكان من شهري فبراير إلى مايو، وبعضها من يناير إلى أبريل، وتنتعش الأمكنة بها، في مجرى الينابيع وعلى أطراف الأفلاج وفي ثقب جدار متهالك، بين شقوق الحجر الصلد، بين الطابوق المرصوف أمام البيت، وفي فجوة إسفلت الشارع، ويدهشك النمو حتى بين ثغور جذع النخل الذي هوى على الأرض ومات منذ سنين فجرفه السيل إلى رأس الوادي الكبير، تماماً مثل صورة ذلك الجذع في (وادي الخب) في قرية (الطويين الجبلية)، على ذلك الجذع الميت ما يستحق الحياة، إنها الصورة الأكثر ذهولاً في جولة التصوير. بدت رحلة عفوية مع الريح الخاطفة، بحثاً عن الزهور والأسماء.
في الزهور تنمو حياة بأكملها، كل شيء هنالك ممكن الحدوث ما بين البتلات والميسم والساق والجذور، كون عظيم داخل زهرة تتسم بالرحابة العطرية، غمرتني رائحة النمو في منحدر زلق لوادي السّدر الواقع على طريق مسافي مروراً بقرية (طيبة) الشهيرة بآبار المياه العذبة، كانت الحصيلة تصوير زهرتيّ: الناب والطقيقة.
(طقيقة)
تنحدر هذه الزهرة على جوانب التلال والأودية والجبال، وعلى ارتفاع منخفض إلى متوسط، شكل زهرها المضموم يذكرنا بجنين مضموم في رحم، تميل إلى اللون الأبيض أو الزهري الفاتح وعليها زغب خفيف، سيقانها معقدة التفرع، النورة تتجمع في تكتلات كثيفة على أعناق تخرج من عقد الأوراق، الأزهار دقيقة تتكون من 5 بتلات تقريباً، أنبوبها زهري قرنفلي اللون، يخرج من كأس قرنفلي يشبه الوسادة المخملية.
(الذنب أو ناب)
زهرة تشبه زهرة أخرى تسمى (سيف الجن)، وجدتها تزهر في السهول الحصوية في الطريق ما بين مسافي ودبا. ويقال أنها تزهر أيضاً في الجزر البعيدة عن اليابسة!
أوراقها منقسمة بعمق 3 فصوص مموجة، الأوراق السفلية عند قاعدتها متقاربة وتشبه الزهرة، النورة عبارة عن سنبلة طرفية وعطرية، الثمرة أشبه بعلبة بيضاوية عريضة لها أربعة أسنان عند القمة.
(الحميض)
وفي يوم آخر كان المنحدر يصعد بي نحو قرية تحيطها الجبال الشاهقة من كل جانب، عدا الجهة المؤدية إلى دبا، جهة البحر، حيث كانت هناك لوحة إرشادية تشير إلى قرية زراعية شبه عصرية وسط الطبيعة الساحرة، اسمها (الحلاة)، تنمو فيها زهور الربيع بكل إذعان، فكان نصيبي منها التقاط صورة لزهور (الحمّيض).
احمرار مبهج يلتف على طراوة الأخضر الناصع، نبتة محببة في الإمارات، تولد بعد تساقط الأمطار، تزهر على جوانب التلال والأودية في جبال الحجر ورؤوس الجبال، للأوراق طعم كالليمون الحامض، سبيل للخلاص من غثيان الأمهات الحوامل في فترة وحامهن، لها قامة مدببة وقاعدة كاملة مثل رأس الرمح، وسيقانها متفرعة عند القاعدة، والأزهار مدلاة على أعناق رفيعة كالأجراس الصغيرة، والثمرة لها أجنحة كبيرة ورقية لونها أحمر زاهي، عليها تعرّق شبكي.
كرنب الصحراء
يسمى أيضاً (سلح، سليح) ويسميه البعض (الحلا ورد)؛ يجذبك لونها البنفسجي الصافي، لها حضور سحري كثيف في الأرض، وخاصة إن كانت تنمو جماعياً ببن فراغات الأشجار وممرات المزارع وطين برك الأمطار، زهور عطرية لامعة في ذروة الشمس، خجولة تحت ظل الغيم، ذات عناقيد طرفية كثيفة أو مبعثرة على طول الأفرع العليا، أوراقها ثلاثية ذات زغب وغدد ملساء، بها عرق طولي وتخصرات بين البذور، إنها الشكل الأمثل لجسد صبيّة أو امرأة لم تنجب بعد.
وقد تنمو على ارتفاعات جبلية تصل إلى 1200 متر، تحتمل تيارات الرياح وتشق الأرض الحجرية بصعوبة بين أودية الجبال ورؤوسه، ويحدث أن تنهض في أرض منخفضة بين أعشاب الخبيز والسلك بهدوء ودعة وأمان. التقطتُ لها صوراً في أرض الفحلين والحيل وعلى جانبي وادي جيس وسهل جبال ينس وفي الحقول الجبلية مثل وادي حقيل في منطقة شمل برأس الخيمة.
(نويله)
الأزهار خضراء مصفرّة محمولة كأجنّة متكوّرة على نفسها في سنبلات تخرج من عقد الأوراق أو طرفيه، كانوا يستخرجون من جذوره عصيراً أزرق اللون يستخدم كصبغة، كما تحوي البذور على مواد زيتية.
تنمو هذه الأيام في السهول الحصوية والأودية القريبة من منحدرات جبال الحجر وعلى حافة واحات الساحل الشرقي، قاعدة النبتة متخشبة ولها سيقان غزيرة التفرع.
(النوّير)
سيدة زهور الربيع، تشرق مثل نور الشمس، تتفتح أزهارها عند الشروق، وتنغلق عند ارتفاع آخر شعاع، لها رائحة تشبه رائحة البرتقال، ولا تشم إلا من قريب، إن لَمستها، يفضحك إصفرارها على أصابعك كعلامات توكيدية بانجذابك اللاإرادي نحوها، التربة الرملية هي الأمثل لاحتوائها، وتنتشر كالبساط الأصفر على رقعة واسعة من رمال دولة الإمارات، رأيتها بشكل مكثف في رأس الخيمة، تحديداً في (الحمرانية والخران والظيت) وتنتشر أيضاً في واحتي (الذيد والعين)، ولا تقهرها الحداثة، فلا عجب من انتعاشها بين ممرات وعتبات وأزقة البيوت العصرية.
(كوثر)
زهرة في منتهى الصغر، ما إن ترفع درجات الزّوم لعدسة التصوير حتى تبدو أمامك أشبه بالزنبقة البيضاء، تلك المنتشرة على جبال القوقاز وأوروبا الشرقية.
تومئ في جبالنا الشرقية بالنقاء والعفّة والتديّن، وتجذبك تلك الهالة الروحانية المحيطة بها إن كانت تنمو وفق رفيقاتها من العائلة الزنبقية.
لها مسميات محلية أخرى مثل: (كويته، برواق، بروق...)، والمثير أن بعض العائلات من بدو الجبال كانوا يغمسون دقيقها مع الحليب الرائب لصنع الكعك الجبلي الجاف أو بعض أنواع الجبن.
(8)
(الذانون)
حين يأتي المدّ من البحر تتنفس ويكتمل استعدادها للنموّ، وما إن ينحسر البحر تنبثق زهراتها الصفراء كالأجراس أو الأبواق. إنها بهجة الربيع المائي.وتسمى أيضاً ( ثانون، هالوك )، هنالك جماعات كبيرة منها أزهرت في تربة ملحية لزجة قرب أشجار القرم على ساحل الإمارات، يستطيل ساقها عند النضج، ومغطى بحراشيف عبارة عن أوراق مختزلة جافة، أما (الزهرة) فهي أسطوانية تتلون من عند الأزهار المتباهية.
إن هذه النبتة منتشرة على سواحل الخليج، تصل إلى صحراء سماوة في العراق، ويسمونها هناك بـ(الهليون)، نبتة طينية وملحية، نبتة تحتاج إلى أرض رخوة، وكانت في السنوات القديمة جداً تزرع من وسط العراق حتى جنوبه.
هي نبتة ليست ربيعية ولا طارئة في النشوء، بل هي معمّرة من سلالة متطورة زمنياً، أحببت أن أضيفها هنا لغرابتها، ولعل قولنا (تربة رخوة) هو الوصف الدقيق للأرض التي تنبت عليها في الإمارات، والمدهش أن هنالك قواقع وكائنات رخوية تزحف من الشاطئ قاصدة رائحة هذه النبتة. استعملت في دولة الإمارات لعلاج الجروح والقروح وعلاج الجمال الجرباء، واستعملت أزهارها في غسل الشعر ومنحه رائحة طيبة، كما كانت توضع في ماء الغسيل لإحداث رغوة صابونية من شأنها أن تسهل تنظيف الغسيل وتطيبه.
«الهندبة» البيضاء
تسمى محلياً (جعضيض أو دالوين) تنمو أحياناً مجاورة للنوّير، في السهول الطينية أو الحقول والمزارع المهجورة، وعلى أطراف الحدائق أو في تربة البيوت السكنية، يستعمل منقوع جذورها وأوراقها خافضاً للحمى، أما السيقان، فلها مفعول التهدئة.
شوك الجمل
زهرة نسوية بامتياز، طولية شعاعية وأنبوبية، كروية الشكل ذات أشواك طويلة، ولتحصل المرأة على البذرة الفقيرة في هذه الزهرة تلجأ إلى كسرها بالحجر وتنظيف الرأس من الأشواك، ثم تمضغ سائلها المعزز للهدوء والراحة من آلام الطمث.
تم العثور على هذه الزهرة في أحد أخاديد وقرى مسافي الواقعة بعد المنطقة الزراعية (اعسمه) التابعة لإمارة رأس الخيمة.