الأربعاء 1 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

عابرون إلى الموت.. في الكلام

عابرون إلى الموت.. في الكلام
27 فبراير 2013 15:18
اعتاد الباحثون العرب القدامى والمحدثون أن يبتكروا طرائق لافتة لإثارة انتباه القارئ، ولا أدل على ذلك من أن يقدموا تلك الطرائق والأساليب بروح ممزوجة بالدهشة، دهشة الحكاية، التي عادة ما تولد ألماً ولذة لديهم وفقاً لمفهوم أرسطو الذي يرى أن الدراما تقود إلى «اللذة والألم». من المؤكد أننا نستمتع بالغرابة التي تحتويها وتقدمها الحكاية، إذ إن الغرابة هي مولد اللذة، في الوقت ذاته نستكمل اللذة بروح الألم الذي يصبح نتيجة لفعل الحكاية. وأجد أن من بين الطرائق التي تولد الإثارة عبر «الألم واللذة» هي بجمع ما هو غير مألوف، استثنائي، بعيد عن متناول القارئ إلى حد كبير مع ما يكتنفه من غموض واضح، وما يمتلك من صدمة مؤثرة، من هذا المنطلق سنشير إلى واقع ما جمعه العرب القدامى من حكايات الموت والغزل، والموت والهجاء في مختلف عصورهم الأدبية. ويبدو أن الباحث العربي التفت إلى أهمية ما كان يجمعه في موضوعته ولهذا كان يضع له عنواناً صادماً جاذباً من مثل «نزهة الجلساء في أشعار النساء»، كما فعل السيوطي في كتابه هذا، ولو تتبعنا ما هو مغر في عناوين الكتب العربية لأثار ذلك البحث رغبة في الاطلاع على ما اندثر وما سلم منها، وأخص بذلك الكتب ومنها «المعرفات من النساء في قريش» للكلبي و»الحرات» و»النوائح» لأبي عبيدة و»النساء والغزل» لابن قتيبة و»أخبار النساء» لابن المنجم و»النساء والغزل» لابن المرزبان أيضا، و»أخبار النساء» لابن منقذ، ولم يصلنا من هذه الكتب شيء، هذا ناهيك عن كتب من مثل «أشعار النساء اللاتي أحببن، ثم أبغضن» للعتبي ولم يصلنا كتاب المفجع البصري، ولا كتاب «أشعار الإماء والمماليك» للأصفهاني. بينما وصل إلينا كتاب «بلاغات النساء» لطيفور الذي اعتنى بطرائف النساء وحكاياتهن وجواباتهن، وطرائف كلامهن، وأخبار ذوات الرأي منهن في قصص شائقة عذبة لا تتجاوز الحكاية أو اللمحة، ويضم أيضاً ما قالته المرأة شعراً ونثراً منذ الجاهلية إلى أيام تأليفه نحو 893م ،حيث تتبع أقوال الصحابيات، ثم نساء خلفاء بني أميّة كذلك أشعارهن بنحو 92 قصيدة أو مقطوعة للنساء، كذلك «أشعار النساء» للمرزباني وهو ديوان للشواعر المجهولات والمعلوم شعرهن، وكتاب «الحدائق الغنّاء في أخبار النساء» للمعاقري المالقي وكتاب «ريّ الظما فيمن قال الشعر من الإما» لابن الجوزي، و»نزهة الجلساء في أشعار النساء» للسيوطي و»الإماء الشواعر» للأصفهاني ومثله لابن الطراح. مؤلفات العرب وللطرافة حقاً أن استعرض ما ألف في موضوعات غاية في الغرابة، وهي تحمل ألواناً من كتب، وكأن مؤلفيها قد قدموا شيئاً غير معتاد في التأليف النقدي، حيث يحمل إلى حد بعيد صفة الاختيار المبدع الذي يشير إلى فكر وقاد قادر على التجديد ومنها: «كتاب من نسب من الشعراء إلى أمه» لابن الأعرابي وكتاب «المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام وأسماء من قتل من الشعراء» لابن حبيب 860م. و»كتاب كنى الشعراء ومن غلبت كنيته على اسمه» لابن حبيب أيضاً. و»كتاب عمن يسمى عمراً من الشعراء» للجاحظ وقد ضاع ولم يصلنا، كذلك حمل ذات العنوان في كتاب لابن الجراح «كتاب من اسمه عمرو من الشعراء في الجاهلية والإسلام»، وكان عدد الشعراء من حمل الاسم «عمرو» 205 شعراء، منهم 78 مضرباً و51 من ربيعة و71 من اليمن. ورتبهم ابن الجراح حسب العصور من الجاهلية حتى الفترة العباسية وحسب قبائلهم. أما كتاب «المحمدون من الشعراء وأشعارهم» للقفطي، فقد ترجم فيه ثلاثمائة من شعراء العربية حملوا الاسم «محمد» من الجاهلية حتى أيامه. وألف السجستاني كتاب «المعمرين» تناول فيه من عمّر من الشعراء العرب، ولا أريد أن أسرد ما ألف في موضوعات أخرى في الحياة وطرافتها ودهشتها، لأن القائمة ستطول وتضيع غاية هذه المقالة ولكن لنتصفح سريعاً أهم الموضوعات، وهي «الأراجيز» و»التشبيهات» و»البديع» و»المثالب» و»الطبقات؛ و»الصعاليك» و»الموالي» و»العققة والبررة» و»لصوص العرب» لأبي عبيدة و»شعراء اللصوص» للمحاربي و»الأمالي» و»كتاب الأنس والعرس» للثعلبي و الحماسات وهي «حماسة الخالديين» و»الحماسة البصرية» و»حماسة البحتري» و»حماسة أبو تمام» و»الحماسة الشجرية». عصر التدوين وأعتقد أن هذا التأليف في هذه الموضوعات، جاء وفقاً لمحفز خارجي يتصل بالتدوين، حيث بدأ التحول من الشفاهية إلى الكتابة «التدوين» إذ وجد الأدباء أنفسهم أمام معرفة جديدة تحتاج إلى لملمة الشفاهي «ما جاء على ألسنة الرواة» في كتب تتعدد غاياتها ومعانيها، ولهذا اتجهوا إلى روح الابتكار في الموضوعة، وكأن هناك سؤالاً يواجه هؤلاء الجامعين وهو كيف يمكن أن نجمع شعر شعراء الواحدة أو الشعراء المقلين؟، إذ لم يجدوا غير طرائق ضمهم لبعضهم بعضاً، وأجد أن الشعراء أنفسهم هم من حاول اختراع أساليب البحث المجد في الموضوعات التي تقدم الدهشة والغرابة، هذا ناهيك عما تقدمه تلك المختارات من التوسع المعرفي في سبيل تعدد الحفظ، وعدم اقتصار الحافظ على شعر شاعر واحد أو قلة من الشعراء، مما يدعمه بثقافة مضافة يحتاجها ـ إذا افترضت ذلك - للاقتراب من البلاط ومصدر السلطة. أصبح الراوية متعدد الثقافات، متسع الحفظ، ولا أدل على ذلك مما رُوي من أن راوية جاء إلى باب هارون، الرشيد فاستأذن مسرور سيّاف الخليفة الرشيد فلم يأذن له، وذهب إلى الرشيد وكان للرشيد يومان، يوم شؤم ويوم مسرة، وقد صادف ذلك اليوم شؤم الرشيد، فقال الرشيد لمسرور: اذهب للرجل واسأله عن صنعته، فجاء مسرور إليه وسأله عن صنعته فرد عليه الرجل «إنني راوية» وسمع الرشيد بذلك، فأمر مسرور أن يرجع للرجل، ويسأله سؤالاً تعجيزياً «هل يحفظ مائة ألف بيت من الشعر العربي؟» ونقل مسرور السيّاف سؤال الخليفة للرجل فرد عليه: اذهب وقل للخليفة أيده الله هل يريدها من شعر الرجال أم من شعر النساء؟. الموسوعة المعرفية هذه الرواية تدلل على أهمية الانتقال من الشفاهية إلى التدوين، إذ إن مقتل الرجل على يد مسرور السيّاف- جدلاً - سوف يلغي من الذاكرة العربية مئتي ألف بيت من الشعر النسوي والذكوري، وقد يزيد على المئتين أو أكثر، ولهذا انتقلت تلك الموسوعة المعرفية إلى المدونة، ولذلك أيضا كان من الضروري أن تظهر هكذا مصنفات أبدع الذهن العربي في استحداثها. وأرى أن الشعر العربي كان تابعاً بامتياز لأخبار الشعراء أنفسهم، وهذا يمكن الاستدلال عليه ببساطة حين تصفح تلك الكتب المصنفة حسب موضوعاتها أو حكاياتها، إذا ما الذي يجمع شعراء العرب؟ هل يجمعهم ما قالوه شعراً؟ أم تجمعهم حكاياتهم المتشابهة، حيث يأتي الشعر فيها تكملة للغرابة؟. رواة العرب ومن المدهش حقاً أن أشهر راوية في تاريخ الثقافة العربية وهو «حماد» لم يرد له أي كتاب بالرغم من أنه عاش عصر التدوين وهو أشبه بذلك الراوي الذي جاء باب بلاط هارون الرشيد، حيث لم يدون ما حفظه. ومن أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ثم الأصمعي وحمّاد الراوية والمفضل الضبّي، وما بعدهم من الرواة بدأ الحس الجمعي يأخذ بعداً جديداً من أجل خلق طريقة جاذبة في التأليف لا تعتمد الواحدية في الرواية، بل التعدد والشمولية في تجميع التراث العربي. أقول ذلك، وأنا أتصفح كتاباً جديداً صدر عن موضوعة مهمة وهي القصائد التي قتلت أصحابها «قصص إعدام الشعراء في التاريخ العربي» للباحث العراقي باقر ياسين الذي تتبع القصة والقصيدة القاتلة، وهنا نقف عند هذه الوحدة التأليفية الكلاسيكية في ثقافتنا العربية والتي امتدت لهذه الأيام وهي قضية تجاور «الحكاية المؤثرة» و»القصيدة الفاعلة» إذ لولا الحكاية ما كانت القصيدة ولولا القصيدة ما أصبح للحكاية لذة وألم. وشبيه بذلك حديثاً ما ألفته الشاعرة اللبنانية جمانة حداد في كتابها «سيجيء الموت وستكون له عيناك» وهو كتاب أصبح انطولوجيا للشعراء المنتحرين، تناولت فيه مئة وخمسين شاعراً انتحروا في القرن العشرين، حيث ضم 122 شاعراً و28 شاعرة من 48 بلداً، ومن جهات العالم الأربع غادروا الحياة انتحاراً. وهنا في كتاب «قصائد قتلت أصحابها» يعيدنا المؤلف، بالرغم من حداثته إلى أزمان ماضية من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي الثاني، وسبق أن أشرت إلى أن هناك كتاباً بعنوان «أسماء من قتل من الشعراء» لابن حبيب، أي أن العرب قد انتبهوا إلى هذه الموضوعة من التأليف، وهو أن هناك مشتركاً وهو «القتل» يجمع عشرات الشعراء العرب المشهورين منهم، والمغمورين من تداول التاريخ لحكاياتهم ومن ظلت حكاياتهم طيّ الإهمال، وما فضيلة المؤلف إلا أن يجمع المنسي والمهمل ويعيد ترتيبه وإظهاره في كتاب توخياً للذة والاستمتاع بالحكاية أولاً وتعميقاً لفهم ما توزع في مضان التراث العربي، وحسناً فعل المؤلف في هذا المضمار اتباعاً لمنهج عربي طويل وأصيل. أول حكاية اعتقد وهذا اقرب للصحة، أن أول حكاية مقتل شاعر حدثت في تاريخ الشعر العربي هي مقتل سالم أو عدي بن ربيعة التغلبي المُكنى بـ»المهلهل» الذي قال فيه امرؤ القيس ؛ومهلهل الشعراء ذاك الأول». كان سالم قد سمي بالمهلهل، لأنه أول من هلهل القصيدة العربية أي «أطالها» بعد أن كانت مقطوعة لا تتجاوز السبعة أبيات، أو قيل إنه سمي بالمهلهل لأنه كان يلبس ثيابا مهلهلة، أو قيل إن اليمامة ابنة أخيه كليب اطلقت عليه ذلك الاسم، كما قيل أن أخاه كليبا أطلق عليه الزير أي جليس النساء، وهو الذي ردّ على قصيدة الحارث بن عباد الكلبي «فارس النعامة» بعد أن قتل المهلهل بجير بن الحارث بن عباد الذي قال قصيدته الشهيرة حين وصله مقتل ابنه بجير: كل شـــــيءٍ مصيــــره للـــــزوال غير ربــــي وصالــــح الأعمــــــال قــــــل لأم الأعــز تبكـــي بجيـــراً ما أتى المـــاء من رؤوس الجبــال ويستمر الحارث المفجوع بولده حتى قوله: قتله بشســـع نعل كليـــب إن قتل الكريــم بشســع غال يا بني تغلب خــذوا الحـذر إنا قد شربنا بكأس موت زلالِ حتى يصل الى قوله: قربا مربط النعامـــة منــي لقحت حرب وائـــل عن حيال قربا مربط النعامـــة منــي ليس قولي يراد لكن فعالي ونلحظ أن هذا البيت «قربا مربط النعامة مني/ لقحت حرب وائل عن حيال» باتفاق الرواة هو للحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكاية بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ولهذا جاء الحارث بن عباد بأصول قبيلته في البيت الشعري «لقحت حرب وائل عن حيال»، فهو ليس لسالم بن ربيعة التغلبي (المهلهل) كما جاء في كتاب باقر ياسين «قصائد قتلت أصحابها» إذ تسرد الرواية. رد سالم بن ربيعة «المهلهل» على قصيدة الحارث بن عباد فقال له مناقضاً: هل عرفت الغداة من أطلالِ رهن ريـــحٍ وديمــــةٍ مهطال حتى يصل إلى قوله مناقضاً: قربا مربط المشـــهر منـــي لكليـب الذي أشــاب قذالي قربا مربط المشـــهر منـــي واسـألاني ولا تطيلا سؤالي والملاحظ أن «النعامة» كما جاءت هي فرس الحارث بن عباد وأن «المشهر» كما جاء هو للمهلهل بن ربيعة لذا اقتضى أن يصلح نسباً. عبثية الشعراء وأجد أن قصة امرؤ القيس ومقتله بسبب شعره هي الأشهر في تاريخ الشعر العربي، حين ارتحل مع صاحبه عمرو (وليس عمر) بن قميئة الثعلبي البكري (179 ق.هـ.85 ق.هـ. 448ـ 540م) وهو شاعر جاهلي كبير معمر، مجيد مقل، مختار الشعر على قلته. نشأ يتيما وأقام في الحيرة مدة. يقال إن امرأ القيس نزل ببكر بن وائل وقال: هل فيكم من يقول الشعر؟ قالوا: شيخ كبير قد خلا من عمره وأتوه بعمرو بن قميئة فلما أنشده شعره أعجب به، فاستصحبه وكان معه إلى الروم. يعتقد أن عمرا بن قميئة هلك في سفر امرئ القيس إلى الروم، فأصبح يقال له «الضائع». وهو المراد بقول امرئ القيس: «بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه... إلخ». وبالإضافة إلى ذلك شهرة حكاية الشاعر طرفة بن العبد، والمتلمس والملك عمر بن هند «عمرو بن هند» أحد ملوك الحيرة، وسبب مقتل الشاعر طرفة بن العبد يكمن في قصيدته حين هجا الملك حيث يقول: أمن ليلى بناظـــــرة خــدور؟ يؤم بهــــن خبـت أو ضفير فدعها وانحل النعمــان قولاً كنحت الفأس ينجد أو يغور فليت لنا مكان الملك عمـــرو رغوثا حــول قبتنـــا تـــدور وبالتأكيد، فإن الاستنتاج كون هجاء الملك والتغزل بأخته، وهجاء زوج أخته «عبد عمرو بن مرتد» وعدم فض رسالة الملك التي تنذر بقتله واكتشاف المتلمس لفحوى رسالته الثانية التي بيده كانت إشارات صحيحة على روح العبثية التي عاشها صاحب المعلقة الشهيرة.. لخولة أطلال ببرقة ثهمد/ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وهي تعليلات صحيحة إلى حد بعيد، إنها عبثية هؤلاء الشعراء وعبثية عصورهم المليئة بالموت، والغريب هنا أن ما أودى بحياة الشعراء قديماً هو «القتل» حسب باقر ياسين والمؤلفين العرب القدامى، وأن ما أودى بحياة الشعر حديثاً هو «الانتحار» حسب الشاعرة جمانة حداد، إذ لم ينتحر شاعر قديم، ولم يقتل إلا نادراً شاعر حديث (باستثناء فردريك غارسيا لوركا الشاعر الاسباني، وهو الأشهر عالمياً). قلت إن أشهر المقتولين، هو طرفة بن العبد أولاً، والمتنبي ثانياً، والحلاج وبشار بن برد وابن الرومي، بعدهما ثالثاً. وانفرد طرفة بمقتله، فارتفعت قصيدته إلى أن تكون معلقة وذلك لغرابة قصة مقتله، وانفرد المتنبي بمقتله فارتفعت حكايته، وكذلك الحلاج في حلوليته وبشار في مجوسيته وابن الرومي في إلحاده، وتعدد المقتولين وكان أسبقهم في جاهلية العصر القديم السليك بن السلكة في 17 ق.م حيث قتله أنس بن مدرك الخثعمي، بعد أن هجاه بقصيدة لم تصلنا وهو الذي قيل فيه «أعدى من السليك» أي أنه كان عدّاء لا يشق له غبار. وشاية مغرضة حسناً أجد أن الحكايات التي رافقت مقتل الشعراء العرب هي الدافع وراء تجاورهم في كتاب، إذ مات بشار بن برد على يد الخليفة المهدي بطريقة شنيعة وبوشاية مغرضة تتهمه بهجاء المهدي وبالزندقة كذلك، رغم أنه كان أنيس مجلسه، وكان معجباً به وبشعره. وبعد أن تبين للخليفة براءة بشار مما اتهم به بكى الخليفة وندم على إعدامه، حيث تأكد له أن بشاراً كان ضحية دسيسة من وزيره يعقوب بن داوود الذي كان على خلاف مع الشاعر، ولم يقتل بشار إلا بسبب بيت قاله: والشـــيخ لا يتــرك أخلاقــه حتى يوارى في ثرى رمسه بيتما يرى باحثون آخرون أن بشارا قتل في ضوء بيتين له قال فيهما: ابليــس خير من أبيكــم آدم فتنبهــوا يا معشــر الفجــارِ ابليــس من نار وآدم طينــه والأرض لا تسمو سـمو النار ولا نعرف هل كان هذا البيت صحيحاً أم منحولاً؟ وهل كان مقتل بشار بسبب الرواية الأولى أم الثانية؟. ما رواه الرواة أجمع الرواة أن بشارا مات مقتولاً بأمر من الخليفة المهدي، حيث رماه بالزندقة، وجملة الخبر أن المهدي حنق على بشار لهجائه له، وأخفى له في صدره كرها عظيماً، وحين زار المهدي البصرة متفقداً أحوالها وصل إلى البطائح، ومرّ بدار بشار، وكان بشار (أبو معاذ) على سطح بيته سكران، فعلم بحضور المهدي، وخاف أن يراه على حاله من السكر، فراح بشار يؤذن فقال المهدي: من هذا الذي يؤذن في غير الوقت؟ قالوا: بشار. فقال المهدي: عليّ به، وحين مثل بين يديه قال له: «يا زنديق هذا من بذائك ، تؤذن في غير الوقت، ثكلتك أمك»، ثم أمر بصاحب الزنادقة وهو ابن نهيك وقيل محمد بن عيسى بن حمدويه فأخرجه معه في زورق، وأمر الجلادين أن يضربوه ضرباً متلفاً، وجعل بشار يقول كلما وقع عليه السوط حَسْ وهي كلمة تقولها العرب عند الألم، فقال بعض الراكبين: «انظروا إلى زندقته ما تراه يحمد الله»، فقال بشار: أثريدٌ أحمد الله عليه. وضرب سبعين سوطاً حتى مات وألقي من على السفينة، فحمله الموج إلى شاطئ البصرة، فحمله أهله ودفنوه. وما تبع جنازته سوى أمَة سوداء من السند كانت تصرخ وتقول: واسيداه.. واسيداه.. قيل إن أهل البصرة سّروا لموته، ونجاتهم من لسانه .وهنّأ بعضهم بعضاً وتصدّقوا وأغلب المؤرخين يقولون إن وفاته كانت في السنة الثامنة والستين بعد المائة للهجرة . حكمة النساء كان الشاعر بشر بن أبي خازم يهجو أوس بن حارثة الطائي، وهو من وجوه طي، فنذر أوس أن يحرق بشراً إن هو أمسكه أو تمكن منه، وحدث أن قوماً من طي أسروا بشراً عندهم في بعض وقائعهم «حروبهن» فركب أوس بن حارثة الطائي إليهم واستوهبه منهم فوهبوه له، فجاء به إلى داره وهو موثق لديه، وأخذ يحضر لقتله حرقاً، فعلمت أم أوس وتدعى «سعدى» بما ينوي ابنها أن يفعله بالشاعر الأسير بسبب شعره وهجائه فقالت له «قبّح الله رأيك، أكرم الرجل وخلّ عنه، فإنه لا يمحو ما قال غير لسانه»، وبالفعل أطلق أوس بن حارثة الطائي سراح الشاعر بشر بن بي خازم، وأكرمه فحلف بشر أن ينظم قصيدة مدح في أوس مكان كل قصيدة هجاء كان قد قالها فيه من قبل. القصيدة القاتلة من المهم ليس التداول والشائع، بل المغمور والمهمل والمنسي، والجانب الثاني هو تعالق القتل والهجاء، إذ الهجاء استدعى الموت «القتل» والجانب الثالث هو ما يستذكر المهجو من أبيات الشاعر الهجّاء، إذ نلحظ في قصة مقتل «أعشى همدان» أنه شتم الحجاج شتيمة مقذعة أخذ يرددها الحجاج نفسه على مسمع «الأعشى» حين قبض عليه، بعد ان كان الأعشى في جيش عبدالرحمن بن الأشعث يقاتل ضد الحجاج فيقول له: «ألست القائل: لماسفونا للكفــور الفتــــان بالسيد الغطريف عبدالرحمن أمكن ربي من ثقيف همدان يوماً إلى الليـل يسلي ماكان إن ثقيفاً منهـــم الكذابــان كذابها الماضي وكذاب الآن ويقصد بالكذاب الآن (الحجاج بن يوسف الثقفي). وَأوَلست بالقائل: نبئـــــت حجــــــاج بن يــــو ســــــف حز من زلــق فتبـــا فيرد الاعشى على الحجاج: بل أنا القائل أيها الأمير: وما لبث الحجاج أن سلّ سيفه علينا فولى جمعنا فتبددا فوافق الحاضرون في بلاط الحجاج الشاعر وطلبوا منه ان يطلق سراحه، غير أن الحجاج قال لهم: «اتظنون أنه أراد المدح، لا والله، ولكنه قال هذا أسفاً لغلبتكم إياه، وأراد أن يحرّض أصحابه» ثم اقترب منه وقاله له: ألست القائل: وإذا سألت المجد أين محلـه فالمجد بين محمد وســـعيدِ بين الأعز وبيـن قيــس باذخ بخ بخ لوالـــــده وللمـــولودِ وألست القائل: وأصابني قوم وكنت أصيبهم فاليوم أصبر للزمان وأعرف يا حراس اضربوا عنقه، فضرب عنقه». هنا نجد المهجو «الحجاج» وقد عرف بواطن شعر أعشى همدان، وانتقى من شعره ما يمسه، ولنلحظ كم كان يحفظ هذا الحجاج من شعر من هجوه من الشعراء وهم كُثر. حكاية ابن الرومي أما ابن الرومي الذي حدد نسبه بشعره: كيـف أغضــي عن الدنيـــة والفــر س خئولي والـروم هــم أعمامــي وقد هجا الكثيرين إلا أن هجاءه لآل وهب أودى بحياته، وآل وهب عائلة لعبت دوراً في الحياة السياسية في العصر العباسي ببغداد، وكان عميدهم عبيد الله بن سليمان بن وهب وأخاه وهباً ومدح ابنيه الحسن والقاسم، وكان القاسم مقدماً عند أبيه ويعطف على ابن الرومي، وقد أجرى له راتباً حيث قال فيه مادحاً في قصيدة ذات بناء تركيبي رائع حقاً: عجبت لمن حزمــــه حزمـــه تكـــــون يـــداه يدي حاتم عجبت لمن جـــوده جــوده تكـــون له عقـــدة الحــازم عجبت لمن حلمـــه حلمـــه تكـــون له صــولة الصــارم عجبت لمــن حـــده حـــده تكــون لــه رأفـــة الراحـــمِ أرى كل ضــد إلــى ضـــده من الخير في طبعه السـالمِ وتنقلب العلاقة بين ابن الرومي والقاسم بن عبيدالله فيقول فيه: تســــــميتم فينـــا ملوكاً وأنتــــم عبيد لما تحوى بطــــون المـــزاود لكم نعمة أضحت بضيق صدوركم مبـــرأة مــن كل متــــن وحامـــدِ فإن هي زالت عنكــــم فزوالهــــا يجدد أنعاماً علــــــى كل ماجــــد وقيل إنه قتله مسموماً حيث جاء في الحكاية: كان القاسم بن عبيدالله سفاك ماء حيث قال فيه أحد الشعراء بعدما مات: شــــــربنا عشـــــــية مات الوزيـــر ســــروراً ونشــــرب فــي ثالثـــــه فلا رحـــــم اللــه تلــك العظــــام ولا بارك اللــــه فــــي وارثــــــــه وبينما كان القاسم يأكل مع ابن الرومي حيث دس له السم، أحس ابن الرومي بالسم يجري في معدته، فقام مسرعاً فقال له القاسم: إلى أين؟ فأجابه ابن الرومي: إلى حيث أرسلتني (ويقصد الآخرة). فقال له القاسم: سلِّم على والدي عبيد الله فأجابه ابن الرومي: ليس طريقي إلى النار». حكاية الأقيشر ونترك المتنبي ونذهب إلى الشاعر الجاهلي/ الإسلامي المغيرة بن عبدالله بن معرض الملقب بالأقيشر، والذي يعد من أكبر الهجائين العرب ولنقرأ قصته: أراد الاقيشر أن يتزوج ابنة عم له يقال لها الرباب، فطلب أهلها منه أربعة آلاف درهم مهراً لها، فجاء إلى قومه، وطلب منهم أن يساعدوه في ذلك فلم يعطوه شيئاً، فذهب إلى «ابن رأس البغل» وكان مجوسياً وطلب منه المساعدة فأعطاه الصداق كاملاً فقال يمدحه: كفاني المجوسي مهر الرباب فدى للمجوسي خالي وعم شهدت عليك بطيـــب الأروم فإنك بحر جــــــواد خضــم وإنك ســـيد أهــل الجحيـــم إذا ما ترديت فيمــــن ظلم تجاور هامـان فــي قعــــرها وفرعون والمكتنى بالحكم فاستغرب المجوسي وقال له: «لقد طلبت من قومك فلم يعطوك شيئاً وجئتني فأعطيتك، فهل هذا جزائي عندك». فرد عليه الأقيشر: «أو ما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفوق أبي جهل». حكاية اليتيمة يروى أن أميرة نجدية من بنات أحد أمراء نجد واسمها «دعد» كانت شاعرة وأديبة تطرب للشعر، وكانت تأبى الزواج إلا من شاعر أشعَرَ منها، وكان هناك شاعر اسمه دوقلة المنبجي التهامي نشد فيها قصيدة يقول فيها: هل بالطلـــــول لســــائل رد أم هل لهـــا بتكلــم عهدُ لهفي على (دعد) وما خلقت إلا لطـول بليتــي دعــــد حتى يصل إلى قوله: فالوجه مثل الصبــح مبيــض والشعر مثل الليــل مسود ضدان لمــا اســـتجمعا حسنا والضـد يظهر حسنه الضد وكان دوقلة المنبجي التهامي ذاهباً بالقصيدة إليها، وصادف أن ارتحل مع شاعر آخر لنفس الغرض، فقرأ أحدهما على الآخر ما لديه، فبغضه الآخر الغريب وقتله غيلة وانتحل القصيدة وادعى أنها له، ووصل إلى الأميرة «دعد» فأنشدها عليها وعرفت «دعد» أن القصيدة ليست له، وإنما هي للتهامي المختفي، وتحققت من الشاعر فاعترف بقتله لدوقلة المنبجي التهامي، وكانت «دعد» قد عرفت ذلك من بيت شعر يقول فيه المقتول: ان تتهمي فتهامة وطنــــي أو تنجدي يكن الهوى نجد فأدركت «دعد» أن الرجل انتحل هذه القصيدة، وربما قتل صاحبها، فاستنطق الرجل فذكر لهم ما حصل مع صاحب القصيدة اليتيمة التي لم يقل دوقلة غيرها. ذلك جزء من روايات «الشعراء المقتولين بسبب قصائد قالوها» اغتيالات أخرى حدثت مجموعة من الاغتيالات المثيرة المطموسة تاريخيا ومنها: اغتيال الشاعر كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة نتيجة لتحريض ابن الأشرف لقريش على الثأر لهزيمة غزوة بدر، وإنشاده أشعاراً يبكي فيها قتلى قريش وقصائد أخرى شبب فيها بنساء المسلمين، واغتيال الشاعرة عصماء بنت مروان على يد عمير بن عدي بن خرشة بن أمية الخطمي نتيجة لتنظيمها لقصائد تحريضية ضد المسلمين، إلاّ أن هذه الرواية تعرضت لنقد المحدثين والمحققين كابن عدي وابن الجوزي والألباني وأنها من الروايات المختلقة والموضوعة فلا يركن لصحتها، وايضا اغتيال أبي عفك اليهودي على يد سالم بن عمير نتيجة لتحريض أبو عفك الذي كان يبلغ مئة وعشرين سنة من العمر على عداوة المسلمين.
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©