الأربعاء 1 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

مصطفى أبو علي يترجم الألم إلى صُوَر فنية

مصطفى أبو علي يترجم الألم إلى صُوَر فنية
13 أغسطس 2009 02:37
برحيل المخرج السينمائي الفلسطيني مصطفى أبو علي، تكون السينما الفلسطينية والعربية قد خسرت مخرجاً رائداً ومؤسساً في السينما التسجيلية الفلسطينية خصوصاً، ومساهماً كبيراً في السينما العربية بعامة، فقد استطاع، خلال ما يزيد على أربعين عاماً، أن يرسخ في الساحة الفلسطينية نهجاً جديداً في السينما النضالية، أو ما عرف منذ أواخر الستينات بـ «سينما المقاومة»، أو «سينما الثورة الفلسطينية»، وذلك من خلال الأفلام التسجيلية التي قدمها أثناء مسيرته التي بدأت مع انطلاق الثورة الفلسطينية، حيث قدّم 15 فيلماً تسجيلياً منذ 1968 حتى نهاية السبعينيات. لم تكن رحلة المخرج أبو علي سهلة أبداً، فقد حفلت جربته بشتى الصعوبات والمخاطر التي حفلت بها تجربة المقاومة التي التحق بصفوفها منذ بدايته، إذ إن ظروف المقاومة في بيروت ومشكلات مؤسساتها على الصعد الإدارية والمالية والفساد كانت تحول دون تحقيق الكثير من المشاريع الفنية، فأنجز الكثير في رصد عناصر وتفاصيل مهمة من هذه التجربة بدءا من فيلمه التسجيلي الأول «لا للحل السلمي» و»الحق الفلسطيني»، ثم «بالروح بالدم» و»العرقوب» و»عدوان صهيوني» و»ليس لهم وجود» و»تل الزعتر» و»فلسطين في العين» وسواها الكثير. أحلام مجهضة لم تكن إنجازات مصطفى أبوعلي بحجم أحلامه، ولم تكن أفلامه وكلها في إطار القضية الفلسطينية هي كل ما حلم به هذا المخرج، خصوصا أن تجربته في الفيلم الفلسطيني تكاد تكون توقفت مع حصار بيروت وخروج المقاومة منها عام 1982، إذ خرج مع من خرجوا، وعاش مرحلة الشتات بكل مراراتها وعذاباتها، حتى حين استقر في عمان ضاقت به سبل العيش فاضطر لتقديم أعمال بعيدة عن قضيته، ثم جاءت مرحلة رام الله التي لم تكن الحال فيها أفضل، فلم تتح له فرصة تحقيق حلمه بتوقيع اسمه ولو على فيلم روائي طويل واحد من أفلام عدة كان يحلم بتقديمها، حتى بدا في سنواته الأخيرة يائساً من تحقيق هذا الحلم. إشارة لهذا الحلم يقول صديقه الباحث والناقد وليد أبوبكر إن «حلمه (مصطفى) الأول بفيلم روائي لم يتحقق، بدءاً من سيناريو متشائل إميل حبيبي، مروراً بوليد مسعود جبرا إبراهيم جبرا، ثم صورة سميح القاسم الأخيرة في الألبوم، وانتهاء بسيناريو إشكاليّ، عن العودة إلى الوطن، عبوراً إلى معاناة الناس عند الحواجز، وانتفاضتهم الثانية، وهو الذي ما زلت أحتفظ بنصه الأولي الذي عملنا عليه سوياً، ثم تحوّل، ربما في شكل آخر، إلى قضية، لكنه، مثل غيره من المشاريع الجادة والقلقة، لم يصل مرحلة التنفيذ». ويضيف أبوبكر «حين كنت مع مصطفى أبوعلي في لجان تحكيم مهرجان الجزيرة السينمائي، شعرت بأن الجدية التي كنت ألمسها فيه أخذت تتآكل أمام الإحباط الذي ينمو حوله، وبأن اليأس من الواقع أخذ يحيله إلى الصمت، وشعرت بأنه لم يعد قادراً على تحمل ذلك». ويقول أبو علي في هذا الصدد، وبقدر من الألم: «عندما أنجزتُ تلك الأفلام في الستينيات والسبعينيات، كنتُ أعبّر عن قناعاتي. بعد عودتي إلى فلسطين، شعرتُ أنني استهلكت طاقتي في الفيلم التسجيلي. بل بدأت أشعر بذلك قبلها بكثير، ربما منذ عام 1978. عندها، قدّمت استقالتي من «مؤسّسة أفلام فلسطين». أما عن توقفه حتى عن إنتاج الأفلام الوثائقية والتسجيلية منذ سنوات، فيعود إلى غياب التمويل، وعن هذا الجانب يقول: «لا أستطيع الانتاج بدون توفر التمويل». والتمويل الذي كان يقبل به مصطفى أبو علي هو: التمويل النظيف والموازنة التي تعتمدها المؤسسة. ولم يكن يقدّم الفكرة التجارية التي تبيع. لم يقدّم ما يريده الممولون، كما تقول شقيقته ميسر أبو علي عشية رحيله ولهذا السبب رفض أشكالاً عديدة من التمويل بمعزل عن المؤسسة. ولكن المؤسسة المعنية خذلت أحلامه وبقي نموذجاً في إبداعه المقترن بقيم النزاهة والشفافية والاخلاق. حتى أن بعض أعضاء جماعة السينما التي أسسها أبو علي استطاعت، مؤخراً فقط، الحصول على شيء من الدعم، أي بعد فوات الأوان بالنسبة للمخرج الراحل. زواج الفن والسياسة رحلة طويلة كهذه لا يمكن تناولها في عجالة، لكن يمكن التوقف عند أهم ما تميزت به، وإحدى سمات تجربة أبو علي أنها شكلت محطة ونقلة نوعيتين في مسيرة السينما الفلسطينية، هذه المسيرة التي بدأت - حسب بعض مؤرخيها- في الثلاثينات من القرن العشرين، حيث كانت التجربة الأولى التي قدمت فيها أعمال سينمائية تسجيلية وثقت محطات ومراحل من القضية بجماليات بصرية تتناغم مع خطابها المباشر الذي ينحاز إلى مبدأ التوعية والكشف عن ممارسات الاحتلال الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، كواحد من مخرجي تياري السينما النضالية والثورية، تأسيس حركة للسينما الفلسطينية الجديدة في محاكاة لتيارات السينما البديلة التي كانت تعصف بالفن السابع في العالم قبل عقود. وهو بحسب بعض من كتبوا عن تجربته من أوائل من عرف كيف يترجم الألم إلى صُوَر فنية متحرّرة من سطوة المباشَرة، وجاعلة الفن أساسيا في معركة الوجود. حيث ضربته النكبة في الصميم، عند بلوغه الثامنة من عمره فقط؛ لكنه حوّل الضربة إلى مقارعة حسّية وحيوية ويومية، بواجهة سينمائية ومضمون إنساني ونصّ نضالي مكتوب بمفردات الإبداع والجماليات الطالعة من عمق الجرح والدم والعنف. جرحته النكسة، لكنه خرج منها إلى المساحة الأوسع للقول والمواجهة الثابتة على مبادئ الحقّ والعدالة والكفاح. ووفق هذه النظرة، فإن التجريب، بالنسبة إلى علاقة مصطفى أبو علي بالفيلم الوثائقي تحديداً، أتاح له فرصة الاشتغال البصري، في ذروة المعركة السياسية والثقافية والعسكرية ضد إسرائيل، على معنى أن يستوفي الفيلم شرطه الإبداعي، مهما تضمّنت مادته الدرامية من مواضيع نضالية وخطابية. ذلك أن الفيلمين المذكورين أعلاه، على الأقلّ، لم ينتميا إلى «الفئة النضالية البحتة»، لارتكازهما على لغة وثائقية مائلة إلى الفني، من دون أن تتخلّى عن نبرة سائدة حينها، وقادرة على مزج مناخ الحالة الإنسانية في ظلّ اعتداءات إسرائيلية وحشية يومية، بسلوك إبداعي استعان بالصمت في التقاط آثار العنف الإسرائيلي على المدنيين الفلسطينيين، جاعلاً الفيلم توثيقاً سينمائياً مهمّاً في (عدوان صهيوني)، ومشتغلاً على الموسيقى والتوليف في قراءة المشهد العام من دون بكائيات فجّة أو خطابية جوفاء في (ليس لهم وجود). بمعنى آخر، بدا مصطفى أبو علي، في فيلميه هذين، سينمائياً ونضالياً في آن. مساهمات عالمية والسمة الثانية تتمثل في قدرة أبو علي على استقطاب عدد من السينمائيين العالميين للمساهمة في تقديم أعمال تخدم القضية الفلسطينية، فمنذ عمل كمساعد مخرج مع المخرج الفرنسي جان لوك غودار في فيلمه (من هنا وهناك) عام 1970، الذي ما زال من أهم الافلام التي تناولت النضال الفلسطيني، أخذت تتكاثر المساهمات العالمية في معالجة القضية، فقد كان انتخابه رئيسا لمجموعة السينما الفلسطينية التي أسسها في بيروت، ثم شغل منصب رئيس مؤسسة السينما الفلسطينية في بيروت أيضا في الفترة ما بين عامي (1971-1980).. كانا سببا في استقطاب فريق عمل ضم سينمائيين من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والسويد وإيطاليا والبرازيل وروسيا واليابان للمشاركة في تحضير وإنتاج أفلام وثائقية عن القضية الفلسطينية. وقد تمخض التعاون بين السينمائيين الفلسطينيين والعرب والعالميين عن دخول القضية الفلسطينية بوابة العالم بعيون الكاميرا وكان ذلك إنجازا باهرا. بدايات وإنجازات أولى ومما يساهم في تجربته، أولا وأخيرا، أنه صنع إبداعاً سينمائياً من مزيج الراهن الإنساني بالضرورة البصرية في تأريخ اللحظة وكتابة فصل من فصول الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي، لذلك بات أحد أبرز صانعي اللغة السينمائية الفلسطينية، الطالعة في قلب المسافة الوسطى بين متطلّبات النضال وحاجات الإبداع البصري. ولأنه شاء أن تكون الصورة أنقى من البيان الحزبي أو الخطاب الكفاحيّ، فقد احتلّ تلك المكانة القائمة بين التأريخ البصري والأرشفة الإنسانية والقول الفني. إنه، بهذا كلّه، «تجريبيّ»، بالمعنى الثقافي الإبداعي السليم، الذي يبحث عن الجديد والمختلف في مقاربة شؤون الحياة وشجون الناس بلغة متحرّرة من الروتين النضالي المسطّح. وبذلك كله، فإنه إذا كانت سينما الثورة الفلسطينية، قد وُلدت من خلال تكوين قسم صغير للتصوير الفوتوغرافي، شرع منذ أواخر عام 1967 بتصوير ما يتعلق بالثورة، عبر تسجيل صور شهداء الثورة، وبعض المشاهد من مخيمات اللجوء الفلسطينية، وهي المفردات التي كانت متاحة للرصد والتصوير في الواقع الفلسطيني.. فإن مصطفى أبو علي، هو من قام بقيادة العمليات الفنية التي انتهت إلى تحقيق أول فيلم سينمائي فلسطيني، وكان ذلك في عام 1968، وكان الفيلم بعنوان (لا للحل السلمي)، وهو الفيلم التسجيلي القصير، ومدته (20 دقيقة)، وقد صيغ ردّاً على مبادرة روجرز، لتبيان الموقف الشعبي الفلسطيني الرافض لحلول التسوية المطروحة للقضية الفلسطينية، حينذاك.
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©