في ذلك المساء الجميل·· والسماء مزدانة بالنجوم·· وذلك الهواء العليل الذي يحرك بعضاً من شعراتها المتدلية على جبهتها وخدها وهي تنظر الى تلك السماء·· تقلب ناظريها في صفحات السماء في ذلك الكتاب المفتوح·· انها تقرأ ذلك الجمال الرائع الذي سلب منها عقلها وأسر قلبها الرقيق، إنها تنظر الى ذلك البدر اللامع والنجوم الساطعة تنظر في النهر، في الجدول، في التل، في الشجرة، في الثمرة، في الضياء، في الهواء، في الماء (فتبارك الله أحسن الخالقين)·
يتناهى الى سمعها صوت يناديها ويقترب منها شيئاً فشيئاً قائلاً لها: بم تفكرين؟ فرفعت رأسها وهي تنظر الى النجوم وتحرك رأسها يمنة ويسرة كمن يقرأ السطور، ثم قالت: أفكر في هذه الأجواء التي أعيشها بين هؤلاء الناس بوجوههم المتعددة وما آلوا إليه من أحزان وهموم ومشاكل·· وأخذت أتأمل في السماء، أتأمل في هذه الدنيا أمامي، من ينظر الى الكون يعلم ان المبدع حكيم، إن كل شيء بحسبان وبحكمة، وبترتيب وبنظام، يعلم من يرى هذا الكون أن هناك إلهاً قديراً لا يجري الأمور مجازفة، جل في علاه، مما يشرح الصدر قراءة الجمال في خلق ذي الجلال والإكرام، والتمتع بالنظر في الكون، هذا الكتاب المفتوح، إن الله يقول في خلقه: (فأنبتنا به حدائق ذات بهجة)·
وأخذت تواصل حديثها قائلة:
كتــاب الفضـــاء أقــــرأ فيــه
صــــوراً مــــا قــــرأتها فــي كــتاب
'من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن إجابته، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حد دينه والحديث عنه، ثم لا تشتاق الى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، وان تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه الى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه، وأعجب من هذا علمك انك لا بد لك منه وانك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب'· نعم·· رأيت ان أكثر ما يجلب الهموم والغموم: التعلق بالناس، وطلب رضاهم، والتقرب منهم، والحرص على ثنائهم، والتضرر بذمهم، وهذا من قلة التوحيد·· ثم سكتت برهة من الزمن·· وأخذت تنظر الى تلك السماء المزينة بالنجوم والكواكب كأنها وشاح أزرق وضع ليضفي جمالاً لهذا الكون ويزيد من بهائه وإشراقه·· ابتسمت ثم أخذت دموعها تنهمر من على خديها وهي تقول:
فليتك تحلــو والحياة مـــريرة
وليتك ترضى والأنام غضـاب
إذا صـــح منك الـــود فـالكل هــين
وكــل الـــذي فـــــوق التراب تـــراب
وبينما هي تواصل حديثها فإذا بالصوت يقاطعها قائلاً لها: أختي عودي الى الرحمن الرحيم، واطرقي بابه فإن بابه لا يوصد، حين تسلكين الطرق فتجدينها قد سدت، وتطرقين الأبواب فتجدينها قد أغلقت، وتطلبين العون من أهل العون فما ثم إلا عاجز أو جبان، فاعلمي انه إنما سد عليك الأبواب كلها لتطرقي بابه، وقطعت عنك الحبال جميعها لتعتصمي بحبله، وانه اشتاق الى أن يسمع منك نغمات هتاف يارب·· بنغمات هتاف يارب تيقني أن نوراً عظيماً يبدد دياجير الظلمات، ولكن عليك بحسن الظن في خالقك·
فتهلل وجهها فرحاً وتساقطت دمعاتها على وجنتيها وكأنها تنم على أنها تنتظر عمراً جديداً، فأخذ الصوت يبتعد شيئاً فشيئاً لكنها سرعان ما صرخت بأعلى صوتها قائلة: 'من أنت، فأجابها: أنا الجمال في هذه الدنيا فلو اعترض طريقك أشواك ولم تجدي غيره ولم تري غيره فتيقني أن هناك وردة بين تلك الأشواك قد جاءت لتضفي جمالاً لحياتك ولتخبرك بأن التعلق بغير الله شقاء·
نورة حمد الشامسي
العين