حوار: د· رسول محمَّد رسول:
منذ فجر التاريخ ارتبطت الكتابة بالمكان، فلا كتابة من دون مكان، وفي ضوء هذه المعادلة ثمَّة إنسان يكتب أبداً، نطلق عليه تارة اسم (الكاتب)، ومع مرور الأزمنة صار هذا الكاتب شخصية تبحثُ عن الإبداع في الكتابة، ومثلما للكتابة مكان صار للإبداع فيها مكان أيضاً، وصار التعامل مع المكان أحد العناصر الجوهرية التي تميِّز عملا إبداعيا عن آخر، وغدا التعامل معه مرهونا بالكيفية التي يقرأ فيها الكاتب المكان ويعيد إنتاجه في عمله الأدبي أو الفكري أو حتى الصحافي·
الكاتب العراقي محمَّد رجب السامرائي، ولد في مدينة سامراء، المدينة التاريخية العريقة بمكانها ومنجزاتها العمرانية والثقافية والسياسية كبيرة الأثر في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، طاف مدناً كثيرة، عاش فيها عن كثب بعد أن قرأ عنها وصارت جزءاً من مخياله الثقافي والمعرفي، عاش في بغداد طالباً جامعياً، وغادر العراق إلى الأردن ليكون طالباً في الدراسات العليا بجامعة اليرموك في مدينة إربد، طاف مدن الأردن، مستنطقاً أحجار الماضي فيها، ثم غادرها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ليعيش منذ سنوات في أبوظبي حتى الآن، وخلال ذلك ظلَّ يستنطق تراث الإمارات بكل ما فيه من عبق الماضي وجذوة الحاضر، أحبَّ هذه المدينة وأحبَّ بلادها حتى كتب عنها الكثير مشدوداً إلى المكان فيها·
عن هذا الترحال، المضني والممتع في آن واحد، توجهنا إلى السامرائي الذي كان يرقد على سرير العلاج في منزله حيث يعاني من (الفشل الكلوي)، ومع هذه الآلام كان لنا معه هذا الحوار عن المكان والكتابة، عن أزقة الطفولة، وعن أمكنة الدراسة، وعن تأثير كل ذلك في منجزاته الإبداعية·
ما الذي يمثلهُ المكان بالنسبة إليك، هل هو عنصر عابر في حياتك أم أنّه جوهري؟
ـ يبقى المكان كذاكرة لا تشيخ رغم تقادم الأيام والسنين؛ فهو البذرة الأولى بعد الولادة الحقيقية للإنسان، وهو الحُلم الذي لا يبرح مُخيلة صاحبه عبر توالي الأحداث والأزمات·· كذلك فالمكان هو إرث باقٍ، ونسائم هواء عليلة تهبُّ من كل الجهات·
إذن، فالمكان هنا جوهري بالنسبة لي، وليس عنصراً عابراً تسير فيه قاطرة الحياة وتتوقف فجأة·· إنّه ديمومة تبعث على الأمل المتجدِّد والمتجذِّر مع دفقات الحياة ورؤاها المزدانة بتباشير الصباح وانبلاجه الوضاء، ومع خدر الشمس الراحلة بجدائلها الشقراء صوب المغيب·
البيت الاول
ماذا تتذَّكر عن البيت الأول في حياتك؟
ـ أذكر بيتنا الأول الذي يتوسط المدينة القديمة وتحيط به المعالم التاريخية والدينية من كلّ جانب، حيث كان بيتاً واسعاً يتألف من ست غرف وفق الطراز القديم أي العقادة، وكان يسكن مع أهلي جدي حسين العلي وأخيه عبدالله العلي· وكانت ترتفع في وسط الغرفة قباب مرتفعة، ويوجد في داخل كل غرفة شبّاكان من الحديد على طول الباب الخشبي ذي القفل أو (الرزَّة) التي تعلو الباب، وكانت تتوَّزع داخل غرف البيت طاقات داخلية عبارة عن رفوف لوضع الحاجيات وأشياء البيت، بينما كانت جدران الغرف وأرضياتها مُجصَّصة (من مادة الجُّص) وليس بالإسمنت أو الكاشي·
وقد احتوى بيتنا الأول أيضاً على بئر ماء صافٍ يقع خلف الباب الرئيس، كنا نستقي منه الماء للطبخ والغسيل ورش الحوش، أو سقي الحديقة، وكان الجيران ينهلون منه ما يحتاجون، حيث كانت النسوة يدخلنّ وهنّ حاملات أوعية معدنية أو بلاستيكية، ويقمنّ بسحب الماء منه بنزول دلو ماء (سطل) مربوط على بكرة خشبية (مَحّالة) إلى أسفل البئر فيمتلئ الدلو، ثم يقمنّ بلفِّ البكرة فيرتفع الدلو ليصب ماؤه في الوعاء·
مَن يُؤسس لِمَن، البيت يُؤسس لحياة المثقف أم المُثقف هو الذي يُؤسس للبيت؟
ـ أعتقد أن كلاهما يُؤسس لحياة المثقف؛ فإذا كان البيت مهيئاً للمثقف من ناحية وجود جوٍّ يساعده على القراءة أو الكتابة، وكانت الأسرة ذات وعي ثقافي ومعرفي والأب أو الأم من محبي الثقافة، فينشأ الابن أو الابنة وسط عالم ثقافي حيث الكتب والمجلات موجودة والظروف ملائمة للنقاش، كلّ ذلك يُؤسس لحياة المُثقف، ويوصل صاحبه إلى شاطئ الإبداع الحقيقي·
ـ أما الشق الثاني من سؤالك: هل المثقف هو الذي يُؤسس للبيت؟ فأقول: إذا كانت لدى المثقف الرغبة الجامحة والطموح للتواصل الفكري والمعرفي عليه أن يجعل بيته ميداناً للإبداع، وأن يخطط مع أسرته لكي يتحملوا بقاءه الطويل معهم، وأن يقطع كل مشاريعه ومشاغله الحياتية التي يجب أن ينفذها، فهو ليس له الوقت الكافي لذلك، فهو في حالة إبداعية متواصلة، وعلى أهله أن يتفهموا تلك المسألة، وأن يوفروا له المناخ الصحي لكي يشرع بتنفيذ أفكاره على الورق·
رحلة بين البيوت
ما هي البيوت التي عشتَ فيها سواء في بلدك أم في بلاد أخرى؟ كيف كان وقعها عليكَ، كيف انعكست على قراءاتك وكتاباتك؟
ـ لعلّ مِن سُنّة الحياة التبديل والتغيير، وعدم البقاء على نمط واحد لأنّ ذلك يحدث الكسل والملل· ومنذ ولادتي عشت في بيتنا الأول، ثم انتقلنا إلى دار جديد بناه والدي، رحمه الله، قرب متحف سامراء اليوم وما زال هو بيتنا نعيش فيه مع شقيقي الأكبر شعبان· وترعرعت في هذا البيت وكنت في الصف الأول المتوسط، وبدأت شرارة محبة القراءة لديّ، وكان أخي (شعبان) يهوى كتابة الشعر المسجوع حتى أنّه ألف مشروع كتاب أسماه (مقامات الأدب لابن رجب)، كما كان يهوى قراءة الروايات المختلفة ومنها روايات أجاثا كريستي· وكنت أطالع بعضاً منها لكنّ (مكتبة سامراء العامة) كانت هي ملاذي للقراءة، فكنت أختلف إليها بعد إنجاز واجباتي المدرسية، أما في العطل الربيعية والصيفية فكنتُ أداوم فيها مع الموظفين! فطالعت أغلب كتب التراث فيها والموسوعات الأدبية والشعرية، وكتب الجغرافية والتاريخ والقصص، وكان يزاملني في الدراسة في ذلك الوقت الأخ الصديق جمال عبد الرزاق شاكر البدري، وهو ابن مدير (مكتبة سامراء العامة) المرحوم الشاعر عبد الرزاق شاكر، وكنا نقرأ معا ونكتب معا، ومنذ تلك الأيام أصبحت لديّ رغبة في جمع الكتب حيث كنت أسافر أيام الجمع أو في العطلات المدرسية إلى بغداد لكي أزور (شارع المتنبي) لكي أشتري الكتب التي أود قراءتها ثم أعود إلى سامراء بعد غياب جدائل الشمس الذهبية·
وبعد أن أنهيت الثانوية في (إعدادية سامراء ـ الفرع الأدبي) قُبلت في كلية التربية بجامعة بغداد، وهنا في العاصمة (بغداد) تغيرت مسيرتي حياتي الأدبية أكثر حيث قمت بالكتابة لصحف ومجلات عدّة، ونشرت أول كتبي عن سلسلة (الموسوعة الصغيرة) عام 1948 م، وهو (علم الفلك عند العرب)، وهي سلسلة ثقافية كانت تصدر وزارة الثقافة والإعلام العراقية آنذاك·
ثم تخرجت في كلية التربية وعينت مدرساً ثانوياً في قضاء (طوزخور ماتو) بمحافظة صلاح الدين، ثم نقلت مديراً لثانوية دجلة في ناحية دجلة بسامراء، وأخيراً بقيت معاوناً لمتوسطة صلاح الدين في سامراء إلى أن انتقلت لإكمال دراستي العليا في اللغة العربية، وحصلت على الماجستير في الأدب واللغة في جامعة اليرموك بمدينة أربد الأردنية، وفيها ازدادت قراءاتي في تخصصي، وكنت أجوب مكتبات اربد وعمّان، وأطالع ما تضمه مكتبة جامعة اليرموك، وكذلك مكتبة الجامعة الأردنية بعمّان، وجامعة آل البيت في المفرق، كما كثير المراسلة مع الأندية الثقافية والاتحادات، والمراكز العربية للحصول على الكتب والمجلات والبحوث الأدبية·
أما المرحلة الأخيرة من البيوت التي عشت فيها خارج العراق هي في العاصمة أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث وصلت قبل سبع سنوات للعمل محرراً صحفياً في نادي تراث الإمارات ومازلت أعمل فيه إلى اليوم، فسكنت أولاً في منطقة الخالدية بأبوظبي، وتعرفت على (المجمع الثقافي) و(دار الكتب الوطنية) فيه، وعلى اتحاد الكُتّاب والأدباء، ومن ثمّ (مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث) بدبي، وبعض المراكز الأخرى في الشارقة ورأس الخيمة، فشرعت منذ وصولي بجمع الكتب أثناء إقامة معرض الكتب في الشارقة وفي المجمع الثقافي في أبو ظبي كل عام· أتمنى أن أكمل دراستي للحصول على الدكتوراه، لكنّ مرضي يحول دون سفري خارج الدولة وحتى خارج أبو ظبي حتى ليوم واحد فقط، إذ لم أغادرها منذ أن أجريت عملية زرع كِلية تبرع بها مشكوراً شقيقي الأكبر شعبان ببغداد العام 2003م، ولكن العملية فشلت فأعادني الأطباء بأبوظبي إلى غسيل الكِلى البريتوني بالجهاز الخاص كل يوم في البيت وبقيت على هذا العلاج الذي ينقذ حياتي من الخطر منذ أكثر من سنتين وما زلت مستمراً على ذلك والحمد لله ربّ العالمين·
لقد غادرت بيتي في الخالدية بعد أربع سنوات فيه لأسكن في آخر في شارع المطار القديم وبقيت فيه سنة واحدة، وانتقلت للعيش في شارع المطار الجديد، وفي كلا البيتين كانت الكتب تشغل حيزاً كبيراً من مساحة البيت، وعندما كنت أنتقل من سكن لآخر أضطر إلى خسارة العديد من الكتب بسبب كثرتها لاضطر لإهداء بعضها أو نقلها لمكتبتي في (نادي تراث الإمارات)، ولكنّ كلّ ذلك لا يجدي نفعاً فالكتب في زيادة إذ تأتيني هدايا من مؤسسات ودور نشر محلية وعربية أومن بعض الأصدقاء الذين يقدمونها هدايا معتبرة بالنسبة لي!
لقد كان وقع سكني عليّ في أبو ظبي كبيراً من ناحية القراءة أو الكتابة وإنجاز مؤلفاتي، فأنا أرتاح نفسياً عند العودة من العمل لأنّ لدي وقتا طويلا خاصة يومي الخميس والجمعة لأشتغل على الحاسوب لأتمّ ما بدأته قبل أشهر أو سنين، إذ من طبعي التأني في إنجاز كتاباتي، لأنّ كل كتاب ربما يبقى عندي أكثر من سنة لكي أُنهي فصوله ومباحثه ومن ثمّ أراجعه وأتمه على أحسن وجه حتى لا أندم على شيء ربما سهوت عنه، كوني أتذكر قول العماد الأصفهاني الذي قال: (إنِّي رأيتُ أنّه لا يكتب أحد كتاباً في يومه إلاّ قال في غدِهِ: لو غيرّ هذا لكان أحسَن، ولو زِيْدَ هذا لكان يُستَحْسَن، ولو قدّم هذا لكانَ أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا مِن أعظم العِبَر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جُمْلَةِ البَشَر)·
طقوس الكتابة
لكل كاتب وأديب وفنان طقوس يمارسها أثناء الكتابة والإبداع· هلا حدثتنا عن أبرز طقوسك في الكتابة؟
ـ هناك الكثير من العادات أو الطقوس ـ عادات الكتابة ـ التي تميز الكُتّاب والأدباء والمبدعين الواحد عن سواه· ولما كان الإبداع نابعا من فكرة تطرق خيال المبدع وتختمر في ذهنه ثم تتشكَّل وتنضج لتصبح نصاً مقروءاً بعد ذلك بيد القرّاء، فإنّ لهؤلاء المبدعين طقوسا عدّة يمارسونها أثناء عملية الولادة الحقيقية لإنجازهم الإبداعي·
وقد تشكّلت لي طريقة خاصة للكتابة، فكنت قبل أن أستخدم الحاسوب أهيئ المادة المراد كتابتها كمسوَّدة، وأحدِّد فقرات المقال على ورقة مستقلة، وأجزِّئ تلك المادة وأعطي تسلسلاً للفقرات التي كتبتها آنفاً· بعدها أهيئ أقلام الكتابة، فإذا كتبت باللون الأسود وهو الغالب الذي أحببه، فإني أكتب بقلم الخط عنوان المقال وبالخطين الديواني أو الكوفي اللذين أتقنهما، وأكتب اسمي بلون مغاير· أما مقدِّمة المقال فأكتب حروفها أكبر من نصّ المقال· إثرها أشرع في كتابة المقال باللون الأسود، وأعنون العناوين الفرعية بقلم الخط الملون وأختار اللون المخالف لما كتبت به سابقا·
كذلك من عادتي في الكتابة أن أجهِّز ورق الكتابة وأنا حريص على أن أكتب على ورق أبيض خالص، وفي البداية كنت أضع ورقة مخططة- مُسطرّة تحت الورقة البيضاء وأثبتها بدبوس ثم أبدأ الكتابة مع ضرورة ترقيم الصفحات من وسط الصفحة، لكني تركت هذه الطريقة وأكتب على الورقة البيضاء وتكون الأسطر أفقية مضبوطة ومن دون ميلان أو اعوجاج يذكر· ومثلما هناك وقت للنوم فإنّ للكتابة أوقات يحرص الكُتّاب على الاهتمام بها، حيث إنّ أجمل الأوقات لديّ للكتابة هي بعد صلاة الفجر، أو إثر صلاة العشاء شريطة أن يكون جو البيت هادئاً في غرفة مستقلة بعيداً عن الأولاد أو أصوات المذياع أو التلفاز، لأنّني لا أحبّ أي صوت خارجي مما يؤثر عليّ في عملية الكتابة التي أستطيع أن أكتب من بعد العشاء إلى الهزيع الأخير من الليل، وأتوقَّف عن الكتابة حين تكون أصابعي قد تعبت وارتخت ولا أستطيع الضغط على القلم، حينها يكون ختام الكتابة والخلود إلى النوم للراحة بعد تعب طويل·
مغادرة الكتب
ما شعورك عندما تشدّ الرحال من بيت إلى آخر؟
ـ غالباً ما يقلقني هذا الأمر، لأنّ أوّل ما أفكِّر فيه عند الانتقال من سكن لآخر هو كتبي، لا أحتار بنقلها من مكان لآخر، ولكنني أتدارك هذه الحيرة بأخذ قسم من الكتب لعملي وأوزع الباقي على المعارف، ورغم تنقُّلي من مكان لآخر فإنّ الألم يحزني حيث أنا متأكد من أنّ هذا الانتقال يعني فقداني لكتب حرصت على اقتنائها منذ فترة، وهي اليوم ستغادرني إلى غير رجعة، ولكنّ ما باليد حيلة فنحن في أمكنة قصيّة، لذا يتعذَّر علينا الإلمام بكل ما يصلنا من كتب ومجلات·
كانت (المدرسة المستنصرية) في بغداد وغيرها من مدارس وأسواق قديمة ملاذاً للفقهاء والعلماء والأدباء والمفكرين· ماذا تشعر عندما تدخل فيها؟
ـ لا فرق بين المدرسة المستنصرية أو القصر العباسي في بغداد، أو آثار سامراء، أو قصر الأخيضر جنوب كربلاء، أو الحضر ـ مدينة الشمس ـ جنوب الموصل، أو زقورة أور في الناصرية، أو آثار بابل في الحلة، أو أية آثار من أرض بلاد الرافدين الخالدة، فأنا ابن الآثار والتراث، أنا ابن سامراء عاصمة الخلافة الإسلامية لأكثر من نصف قرن أيام الخلافة العباسية، فحيثما تتجوَّل في سامراء فثمة آثار ومعالم شاهدة، فمن (ملوية سامراء)، و(جامع الجمعة) إلى (قصر الخليفة المعتصم بالله) المُطل على نهر دجلة بأواوينه السامقة اليوم، ودونه (البركة الحسناء) التي خلدها الشاعر البحتري بقوله:
يا مَن رآى البُركة الحسناء طلعتها والغانيات إذا لاحَت مَغَانِيها
ونزولاً إلى (قصر الحير) ـ بهو السِباع ـ كما يًعرف عن العامة، أو (تل العليق)، و(مدينة المتوكلية) بملويتها الصغيرة التي شيدها الخليفة المتوكل على الله بن المعتصم بالله شمال سامراء، و(قصر العاشق) الذي بناه الخليفة المعتمد على الله لزوجته، وغيرها من المَعَالِم والشواهد الحضارية التي تتربع سامراء على كنوز أثرية وتراث معطاء لمسافة تمتد قرابة خمسة وثلاثين كيلومتراً··
ولكني عندما أدخل أي واحد من تلكم الشواهد الحضارية في أرض العراق أتوه في رحابها، أتخيل نفسي وأنا أستنطق الحجارة الصمَّاء الخالدة من هاتيك الأيام، فالتاريخ وعطره ومعالمه تنسيني الحاضر وأحسّ بأنّه ينقلني على أجنحة بساط الريح عالياً في سماوات قصية لتلك الأيام السالفات، لأصيخ السمع لحكايات التراث العطر المؤثل بالفَخَار والأمجاد، ولأشاهد عن قرب جميل الإبداع العراقي في أرض الحضارات·