الليلة الأجمل في حكايات ألف ليلة وليلة كتبها هرقل بدموع عينيه ـ وهو يغادر أرض الأحلام في الشرق ـ بعبارة دخلت التاريخ من باب شوق الغزاة: «أودعك يا دمشق، وداعاً لا لقاء بعده»!
شعور غريب ينتابك، وأنت ترى حنيناً استشراقياً مبكراً لدى هرقل، فهل يحق للمحتل أن يحن للمكان بهذا القدر الموجع؟ وإلى أي مدى يشكل هذا الوجع خطراً على أمن الحضارة؟ ثم لماذا تبدو العلاقة بين الشرق والغرب علاقة عدائية، رغم أن الغرباء يرثون الجهات بمنظومة تحديد الاتجاهات التي تعين الطيور على بناء أعشاشها في السماء، كحد افتراضي فاصل بين زمنين: شروق الشمس وغروبها!
الشرق معبد الشمس، وعربة الفلك، والشرق جزيرة الحكايات، ومملكة السماوات، التي كتب حمورابي أول نص توراتي لها، والشرق خيمة البحر، وزهرة المطر، فكيف للشرق إذن أن لا يكون بوابة الحضارات والتاريخ وجسر العبور إلى القيامات والسماوات ؟
حسد لَبِق
هل تكفي الجنة للغرباء؟
ربما يكون مصطلح العودة مرتبطاً ذاكراتياً بالمكان، ولكنه ضمن المفهوم الشرقي يرتبط دائماً بالتاريخ، بالجذور، بالحكايات، والأساطير والآلهة، وكل الدلالات الرمزية التي تعيدك أبداً إلى السماء، ولكن هذه المرة يختلف الوضع ليس عمرانياً فقط، بل حضارياً وثقافياً أيضاً!
كنت قد تلقيت دعوة لمؤتمر الإعلام العربي في دبي عام 2010، ولمهرجان الشارقة الشعري عام 2012، حين نظر إليّ موظفا المطار، مرديين ذات العبارة: «أنت في رحلة إلى الجنة»! بصراحة لم يكن الأمر غريباً على الإنجليز، فالرحلة بالنسبة إليهم دائماً ما ترتبط بالمتعة، بالمغامرة، لا الهجرة، أو قوارب الموت، وغيرها من المشاهد التي عادةً ما تصور الشرق ونكباته، خاصةً أن الغربي يسافر كسائح، والشرقي يهاجر كلاجئ، وهي مفارقة وجودية بحد ذاتها!
لكن الغريب حقاً، أن الرحلة إلى الإمارات لم تكن وحدها كافية بالنسبة إلى هؤلاء، فهناك الكثير من البريطانيين الذين يحلمون بهجرة مرتدة، فهل تتفاجأ حين تفضحك حقائبك أمام موظفي الأختام الذين يتحمسون للعثور على فرصة تتيح لهم الانتقال الدائم إلى «الجنة»، وهو الاسم الذين يطلقونه في الغالب للتعبير عن أطلنتس العصر، «مدينة الشمس»، ويوتوبيا الصحراء، فهل سألتهم: لماذا يبدو العالم ـ خارج الصحراء ـ هو الجحيم والعدم؟ ثم هل فعلاً انعكست الآية بالنسبة لنا، نحن الشرقيين، الذين استوطننا الحلم الأمريكي والغربي، ونحن نرى بأم أعيننا كيف يحلم أبناء هذا الغرب بالحياة في الشرق؟ هل تكفي الجنة لكي تكون وطناً بديلاً لهم؟ ثم هل تبدد جنتنا إحساسهم بالغربة أم تعزز انتماءهم للصحراء كمساحة مشرعة على الخلود والأبد؟ الكثير من الأسئلة التي دارت في ذهني، وأنا أستعيد حسدهم اللبق، ونظراتهم الفضولية ـ وأنا في الطائرة المتوجهة إلى أبوظبي ـ إذ يتبادلون الأخبار والقصص عن الصحراء التي لا تغيب عنها الشمس، فماذا بعد؟
جنة تشبهنا!
هناك مدن سرية لم يزل العلماء يبحثون عنها، ويحاولون بناء تصور معماري وتاريخي لمعالمها، يحدثونك عن كائنات فضائية قامت ببناء مدن أسطورية حكمت العالم في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، يعرضون عليك مجموعة من أشرطة مسجلة لعمليات المسح الفضائي، تُظهر جنات غارقة في قاع المحيط، فيثيرون نهم المخيلة بما توافر لهم من وصفات فلسفية لأفلاطون عن «أتلانتس»، ولأرسطو عن «أنتيليا» وهوميروس وغيرهم عن حلم كولومبوس المستحيل، بالعثور على المدينة السحرية المفقودة، فهل يكفي البحث عنها، للتعويض عن الحلم بجنة السماء؟
لم تكن الجنات تشبهنا أبداً، حين كنا نحلم بمناف خضراء، وملائكة شقر، وأكواخ شتوية، ومعاطف من الفرو، وأسماء لا نرثها لنتذكر من سبقونا ولم يعرفونا، وغرباء لا يفهمون شتائمنا ولا يشبهون مرايانا ولا يرتدون وجوهنا، ولا تروق لهم طرائفنا، ولا يهتمون لهمومنا، فكيف نكتشف جحيمنا في جنات أعدائنا؟ متى تحديداً نعي أننا كنا نخدع حقيقتنا حين نتماهى مع أوهامنا، لنصبح جزءاً لا يتجزأ من نسياننا؟
«أمي، الناس هنا يشبهوننا، لا أحس أنني غريب أو مختلف.. أو ملتبس الهوية، الوجوه والعيون، التعابير، الأسماء، طريقة الضحك والبكاء، أحس أنني أنتمي لهذه الحواجب والشوارب أكثر من انتمائي لذاكرتي، كأنني أسير باتجاه عقارب ساعتي الجينية.. لم يعد بإمكاني أن أعيش خارج مكاني.. هذا ما قاله أو أراد أن يقوله لي ابني الصغير في أول أسبوع من إقامتنا في أبوظبي، وهو يتفحص صورته في ملامح العابرين، يحاول إيجاد منطقة آمنة له بين غربتين: ذاكرته وذاكرة أمه!
لم يزل بيت أمي هناك، يعبر الخاطر كلما عنّ صبا الشفق الأبيض على بال الحنين، شرفتها، فنجان قهوتها، رداء صلاتها، صوتها.. وطقطقة يدها وهي تقرع بابي البعيد هناك.. حضنها، زياراتها، ضحكاتها، حكاياتها، فكيف لا أشبه جنة أمي كما تشبهني جنة ابني!
الجنة لا يمكن أن تكون منطقة محايدة، ولكن ما الذي يحدد مواصفاتها الثقافية والتاريخية؟ هل سكانها أو أفواجها السياحية؟ الطارئون والمؤقتون أو المهاجرون والمقيمون؟ غرباؤها أو أحبابها، أو أن الجنة هي صنيعة الحلم وحده؟
اللااستشراق وصنم الجنة
في هذه الصحراء، يتلاشى الخط الوهمي بين الأرض والسماء، وتثبت نظرية الشمال والجنوب ـ التي تستند إلى الطبقية الحضارية ـ فشلها، فالبدو يعودون إلى سنّتهم الأولى: عمارة الأرض، على اعتبار أنهم أصحاب الملكية التاريخية للحضارة، والأرض تدور من جديد باتجاه مركزها الكوني: الصحراء!
ولكن ماذا عن الاستشراق؟ ليس كتقليد أو تقمص، إنما كمنهج غربي نَمّط الشرق ضمن تصور استعماري أو عنصري، لا يخلو من الشهوانية والديماغوجية، بعيداً عن كل الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية!
ولكن هل يغدو الحلم العربي أو الإماراتي بديلاً عادلاً عن الاستشراق؟ الآن بعد خفوت روح الحضارة الغربية، التي أنهكت منظومتها الدعائية الحروب الدينية والسياسية، والصراعات الساخنة والحارة، والإيديولوجيات المزدوجة، والانحلال الأخلاقي، والتفكك الأسري، والقتل الاقتصادي المنظم للدول والشعوب، ثم الفراغ الاستعلائي والخواء التفاعلي مع القضايا الكبرى، بهوت السينمائيات المبهرة، ومجانية الابتذال في الفضاء الالكتروني، ما الذي تبقى بعد للغرب على الجنة؟
لم يخرج الغرب في واقع الأمر من جنته، بل هي التي غادرته، حين لم تنجح بمقاومة عوامل الشيخوخة الحضارية، إذ سرعان ما هرمت بنيتها الروحية، لأن الأمريكيين الذين شيدوا جنتهم للتخلص من أصنام التاريخ والدين، حولوها من رمز للخلاص إلى صنم مكاني لا يقبل الإخلاص إليه القسمة على غيره، وهذه هي المعضلة.. التي حاول صنّاعها منافسة الزمن والأبد، فتخلوا عن كل القيم والمعايير العليا في سبيل التمسك بالاستعلاء وحده!
ما الذي يحتاجه الغرب إذن ليحافظ على جنته، رغم فوات الأوان؟
ابن رشد الذي كان الشارح العظيم في نظر الغرب، يتم الآن استبعاده رويداً رويداً من الوثائق الاستشراقية، في محاولة بائسة ومغرورة للاستحواذ على الحضارة كابتكار غربي خالص ومنقّى من شوائب الشرق، بينما تنهض الصحراء من سباتها بكامل طزاجتها التاريخية، لتؤسس لجنّة مستعادة، هي جنة لااستشراقية، مستبدلة الجهل الاستشراقي المتعمد، ونمطيته المهينة، بصيغة تراثية عادلة، تكفل لها عمراً يليق بشجرة ابن خلدون، حيث لا تموت الحضارات ولا تنقرض ولا تمحي من الوجود، ولكنها تأخذ قيلولة المحارب، لتعود أكثر شباباً ويفاعة من جديد!
حضارة آمنة
يقول شبنجلر في كتابه «تدهور الغرب»: «إن اليأس وفقد الشهية إلى الحياة، والاضطراب الخلقي والسياسي والثقافي في هذا الزمن؛ هي أعراض الهرم التي أصابت حضارة الغرب بأكملها»، فما الذي تتوقعه بعد أن تفقد الحضارة حياءها؟ تأمل سباق التسلح والحروب المجانية واستبداد القوة، وتجارة الرقيق الأبيض لصالح بيوت الدعارة، وانعدام الأمن الشخصي، والأنانية والإسراف بشعارات حقوق الإنسان مع ممارسة انتهاكات خارقة ضد الكائن الشرقي، واضمحلال العقيدة بتأثير العلوم، لتستنتج الإجابة!
أما الثقافة التي تختلف بين الشرق والغرب، فهي موروثة عند أهل الشرق، ومتغيرة ضمن تطور قواعد التربية الحديثة عند الغربيين، ولأن الأدب يصيغ البيئة الاجتماعية للأمم الشرقية، تصبح الفلسفة والمنطق وحدهما من يتحكم بعقل ووعي المؤسسات التربوية والاجتماعية عند أمة الشمال!
حسناً إذن، متى تكون الحضارات آمنة؟ هل يمكن لحضارة فقيرة روحية، ومتشائمة، وبلا أخلاق أن تصمد طويلاً أمام الاعتبارات التجارية والرأسمالية واللاقيمية؟ أحبط حلم الصحراء هؤلاء الذين حقّروا البدوي، ككائن غامض وجاهل وخطر، أثبتت ثقافة الصحراء أن البدوي غير مصاب بانفصام حضاري، طالما أنه يستمد أمنها من منطومة دينية وإنسانية متجذرة وعميقة، لم تنسلخ عن عروتها الوثقى: التراث، الذي يطور وعيها الأخلاقي والروحي بالتزامن مع تطور عمرانها وأساليبها الأمنية والتربوية، دون أي انقطاع ثقافي أو تاريخي عن ماضيها الذي أسس لمستقبل الحضارة الغربية الحديثة! متى ينتهي الحلم الحضاري عند الأمم إذن؟ ومتى يبدأ أصلاً؟
من هنا، من أرض الأحلام، من مشربيات الصحراء الحَيِيّة، من قصور رمالها الذهبية، من حكاياتها وأمسياتها تبدأ حكاية الحضارة، من حيث تنتهي الأحلام الحضارية الزائفة في الغرب، بلمسة ميداس الملعونة التي حولت الروح إلى حجر!