الأربعاء 1 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

نظرية الانعكاس في الفكر والنقد

نظرية الانعكاس في الفكر والنقد
28 مايو 2014 22:24
تعتبر مشكلة الانعكاس من أهم المشكلات الفلسفية التي حظيت باهتمام الفلاسفة والمفكرين. فمنذ أقدم عصور الفكر البشري طرحت مشكلة الانعكاس نفسها، ولا تزال قائمة حتى هذه الساعة، بل حتى قيام الساعة. أول من قدم مثالاً عنها أفلاطون في كتابه “الجمهورية” وهو مثال الكهف، حيث يصر الفيلسوف على أن الوجود الواقعي ليس سوى ظل لعالم مثالي آخر. وتتوالى السلسلة بعد ذلك، فلا بد لأي مفكر أو فيلسوف أن يفكر فيها ويطرحها وينطلق منها في رؤيته للعالم الواقعي. والمدرستان الألمانية والإنجليزية من أهم المدارس الفلسفية التي توقفت طويلاً عند هذه المشكلة. حنا عبود حين تطرح مسألة الانعكاس تبدو سهلة وبسيطة، كأنها تحمل الحلّ في نفسها، ولكن عندما يوغل الفكر في التحليل يجد نفسه أمام أصعب مشكلة يمكن أن تواجهها الفلسفة والنقد. الانعكاس، بكل بساطة، يختص بالعلاقة بين الوجود المادي والنشاط الفكري، أو بين الحسي والمجرد... باختصار إن الانعكاس عبارة عن بحث في نظرية المعرفة، معرفة العالم الذي يعيش فيه الإنسان ومعرفة الكون الذي يحيط به. أما معرفة الذات فصارت من اختصاص علم قائم بذاته هو علم النفس. والموقف من قضية الانعكاس هو الذي يحدد الاتجاهات الفلسفية والفكرية الثلاثة: المادية والمثالية والتلفيقية، فمن اعتقد أن الفكر انعكاس للعالم الواقعي اعتبر من معسكر المادية، ومن اعتقد أن العالم الواقعي انعكاس لعالم الفكر (أو عالم المثل على حد تعبير أفلاطون) اعتبر من معسكر المثالية. ومن حاول التوفيق بين المعسكرين اعتبر من التلفيقية. وهذه الاتجاهات الثلاثة لا تزال قائمة حتى اليوم، ولا يستطيع الكاتب أن يخفي موقفه أو ميله أو تعاطفه، فمنذ الأسطر الأولى لمناقشة أي مشكلة من المشكلات الفكرية أو الواقعية، بشتى صنوفها، تتعرف على موقف الكاتب ونظرته إلى مشكلة الانعكاس، وتبنيه لواحد من هذه الاتجاهات الثلاثة. على أن التأثير لا يقتصر على إنتاج فكري واحد للمؤلف، بل يؤثر في جميع ما ينتج من أعمال فكرية، أو تنطلق من موقفه وتنظر إلى الأشياء والمشكلات والقضايا من زاوية الرؤية الخاصة به. إن كل ما كتبه أفلاطون ينبع من موقفه من قضية الانعكاس، حتى كتابه “القوانين” وهو من أواخر كتبه الأكثر قرباً إلى النظرة الواقعية، نراه يظل مهتدياً بعقيدته أن العالم الواقعي ليس سوى محاولة محاكاة لعالم المثل. طاولة برتراند راسل في كتاب “مشكلات الفلسفة” الصادر في أوائل القرن العشرين، يسعى برتراند راسل إلى توضيح مشكلة الانعكاس باعتبارها المشكلة الأساسية، فيقدم مثال “الطاولة” ويجعل هناك ثلاثة ميادين: الوجود الواقعي للطاولة، والمعطيات الحسية التي نتلقاها من الطاولة، وأخيراً التصوّر الذي يرسمه ذهننا عن الطاولة. وتنشأ من هذه الميادين المشكلات الكبرى للفلسفة: هل الطاولة موجودة بعيداً عن تصوّرنا، وهل المعطيات الحسية صادقة في نقلها، وهل الفكر يتلقى المعطيات الحسية كما هي أم يبني عليها من فعاليته أشياء وأشياء...؟ يجول برتراند راسل بين الاحتمالات الكثيرة، فيرى أن معطيات النظر ـ مثلاً ـ تختلف باختلاف مسقط الضوء على الطاولة، فكل شيء يتغيّر في الطاولة من أمثال اللون والبريق والتوهج الذي يجعل سطح الطاولة يلمع في مكان ويكمد في مكان... حتى أبعاد الطاولة تختلف بحسب الزاوية التي ينظر منها الناظر، فلا تبدو مستطيلة عندما تكون النظرة إليها من مكان في مستوى سطحها، فتبدو أشبه بكتلة غير مستطيلة... وانتهى الأمر إلى أن من المستحيل الوصول إلى “تصوّر” نقول إنه يساوي الطاولة الواقعية، وبخاصة إذا وقفنا على تباين التصورات بين فرد وآخر. فكيف يدرك الأعشى الطاولة في الغروب، وكيف يدركها المصاب بعمى الألوان... الخ. هذا مثال ظل برتراند راسل متمسكاً به حتى نهاية الكتاب، إنه لم يخبرنا عن معطيات الحس عندما يكون المرء أمام شيء آخر غير الطاولة، شيء حيّ متحرك مخيف، كالأسد الذي يفسد ويدمر ويقتل، فهل تصل الصورة إلى الذهن بالطريقة التي تصل فيها صورة الطاولة؟ وهل تصل صورة برج الحمام إلى الذهن كما تصل صورة برج الصواريخ؟ ألا يعني هذا أننا لسنا أمام شيء ثابت بل أمام شيء متحرك ومتغيّر، وهو التركيب العاطفي - الجسدي والذهني للإنسان؟ إننا في الحلم ننقل الأشياء الواقعية ونلعب بها كما تفرض علينا معطياتنا الحسية والعصبية والنفسية والفكرية، وفي كثير من الأحيان تظهر لنا أشكال غريبة جداً ابتكرها الفكر بعد أن التقطها وصاغها من الساحة النفسية. فما الفرق بين الحلم والواقع، إذا كنا نتدخل دائماً مندفعين بغرائز وأفكار وتصوّرات تخرج من أعماقنا وتصبغ الواقع الخارجي؟ إن هذا يطرح مشكلة علاقة الواقع بعملية الانعكاس المعرفية. الماركسية ونظرية الانعكاس ظهرت مؤلفات عدة في ألمانيا وروسيا قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تراع بدقة التوجه الفلسفي العام فيما يتعلق بالنظرة المادية في المعرفة التي شرحها فريدريك إنجلز بإسهاب في كتابه “لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية” فقد تشددت هذه المؤلفات على أن المعرفة انعكاس للواقع، فلا يمكن الاعتماد على أي شيء آخر في المعارف، لا على الخيال ولا على التصورات الذهنية. ومثل هذا التشدد حرض السلطات على المزيد من قمع حرية الفكر، حتى شابهت ما كانت تقوم به الإمبراطورية الرومانية في مراقبة الأحلام. وصارت نظرية الانعكاس على يديهم أشبه بساعة بمسننات دقيقة، لا توقيت سوى توقيتها. وتحت وطأة هذه المفاهيم المتشددة لم ينتج المعسكر الاشتراكي أدباً له تأثير يذكر على المستوى العالمي. وتكاد الأمثلة تقتصر على ما يؤيد وجهة نظر معينة. فلا شك أننا نعرف الغابة والوردة والشجرة والبلابل والعصافير معرفة قسرية، فنحن نعرف كل ذلك أردنا أم لم نرد. ولا شك أن الغابة تنعكس في الذهن وقد تكون صورتها مطابقة للواقع من دون زيادة ولا نقصان، وكذلك الأمر في بقية الموجودات المادية كالوردة والشجرة والبلابل والعصافير... ولكن بعد ذلك يقوم الذهن بعمليات بعيدة عن الواقع، فيدب الحياة في الوردة ويخاطبها كما يخاطب كائناً حياً ويكتب فيها أدباً، كما ينظم فيها شعراً... لكن هذا ليس في حيز اهتمامنا الحالي. والنقطة المحددة حالياً هي أن ما ينعكس في الذهن يأتي من الواقع. وهذا شيء لا يخالفه أحد. فلا أحد يزعم أن الفكر لا يعكس صورة الغابة أو غير الغابة. هنا ندخل سلم القيم التي وضعها الناس، بحيث يرى كل منهم الأشياء بحسب سلمه الخاص، وهكذا تنقلب آلية الانعكاس، فيصبح الواقع انعكاساً للفكر وليس الفكر انعكاساً للواقع. ومثال واحد يفيدنا في هذا الصدد وهو الغابة والحديقة. فالغابة تنعكس في الذهن كما هي، إن لم يكن في الذهن مطالب معينة يفرضها على الصورة القادمة من الغابة. ولكن أين انعكاس الحديقة في الذهن؟ العكس هو الصحيح، فالحديقة من صنع الإنسان بحسب تصوّر ذهني مسبق، وصانعها لا حاجة به إلى أن تنعكس في ذهنه، بل إنها عكست الصورة التي في ذهنه وما خطط له. بهذه الطريقة تنعكس نظرية الانعكاس، وتنقلب رأساً على عقب. وكل ما طالته يد الإنسان عبارة عن انعكاس لما في ذهنه من مشاريع ومخططات، يعتقد أنها لصالحه. ولم يقتصر على إخضاع الطبيعة لتصوره، بل المجتمع أيضاً، وبذلك تكون الطبيعة والمجتمع انعكاساً لما في ذهن المتسلط. لنطبق هذا على الماركسية نفسها، فقد انعكست في ذهن لينين كما أرادها لينين، وليس كما هي فعلاً، لأن تطبيقه لها أثبت أن تصوّره لها كان لأغراض، يرمي إلى أشياء وأشياء، لم تأت الماركسية على ذكرها، وقد أدرك بليخانوف هذه الناحية وحذر من التشدد، الذي سيقضي، ليس على الفن والأدب والمسرح... بل أيضاً على الاقتصاد. وقد تراجع الأدب السوفياتي وتخلف كثيراً عن سابقه الأدب الروسي بصورة فاضحة. ولم يصل هذا الأدب إلى أي مستوى كانت تريده الماركسية، فهو مثلاً لم يصل إلى الواقعية الفرنسية، واقعية بلزاك، بل ظل أسيراً مرتهناً لتصورات رسمية انصاع لها بعضه، وتمرد عليها بعضه، فظهر أدب (السامزدات) و(التامزدات)، ولكن حتى هذه الآداب السرية والمهربة لم تكن رفيعة المستوى. يبدو أن التشوهات التي يحدثها المستبد لا تدع شيئاً من دون أن تشوّهه بهذه الدرجة أو تلك. فقد بالغ أدب (السامزدات) و(التامزدات) كثيراً في نقض الأيديولوجيا ودحض قوانين السلطة وفضح الفساد إلى درجة أنه صار أقرب إلى الأدب الدعائي الذي يتصدى له. النقد والانعكاس لم ينصع النقد لنظرية الانعكاس، كما روّجها أواخر الدعاة المتشددين، وبخاصة على يد الوضعية المنطقية الجديدة (مدرسة فرانكفورت) بل انتهج أسلوب التدقيق فيما يسمى “التلقي”. فالأشياء الواقعية موجودة وجوداً مستقلاً عن التفكير والتصوّر والإدراك. المشكلة ـ إذن ـ في التلقي: كيف يتلقى الناقد أو الكاتب أو الإنسان العادي ما يأتيه من عالم الواقع. هنا النقطة الأساسية في مسألة الانعكاس. يقوم النقد بدراسة العناصر التي يتلقاها المفكر... دراسة تمحيصية دقيقة، تكون بعيدة عن أي انحياز، وعن أي ميتافيزيقا. وبعد ذلك تجري دراسة إنتاج المفكر فيقارن الناقد بينه وبين المضمون الحقيقي للعناصر التي تلقاها. ومن هذه المقارنة يخلص الناقد إلى النتائج التي تحدد مواطن الغلط، وابتعاد الاستنتاج عن المعطيات، إن كان فهمها بصورة غير صحيحة أو دقيقة. فلا بد من ضبط الكلمة عن طريق “التحليل المنطقي” للتأكد من وجود تمثيل واقعي لها. بعد ذلك تدرس النتائج التي انتهى إليها المفكر بعد تلقي هذه الكلمة أو هذا المصطلح أو هذه الصورة أو هذه الجملة. وهذا ما يسمونه “المنطق الرياضي”. إذا كان لدينا خمسة مفكرين يتلقون عناصر واحدة من الواقع، فإن التحليل المنطقي يقتضي أن يصل الخمسة إلى نتيجة واحدة. فإن وصلوا إلى خمس نتائج مختلفة كل الاختلاف، فإن هناك “شيئاً ما” جعل كل واحد منهم ينتهي إلى نتيجة مختلفة. ما هو هذا “الشيء ما”؟ إنه القاع الثقافي في المتلقي وليس في الواقع الذي هو عنصر حيادي تماماً. فكل واحد يتلقى ما يأتيه وفق هذا القاع الثقافي. فإن كان هذا القاع يرمي إلى هدف من الأهداف، كتحقيق اشتراكية لينين، أو ديمقراطية كاوتسكي، فإن ذلك يقود إلى استخدام العناصر المستقبلة استخداماً غرضياً، وبذلك يضيع النقد كعلم ويظهر النقد الدعائي، ويتحول النقاد من علماء مختبرات الدقة والأمانة إلى دعاة هذه الأيديولوجيا أو تلك. كانت الوضعية أيام منشئها أوغست كونت تلتهم الميتافيزيقيا، ولا تبقي منها شيئاً، بينما تسعى الوضعية المنطقية الجديدة إلى إشاعة المنطق التحليلي الرياضي، الذي لا يعرف رحمة ولا تساهلاً في فضح الأغراض التي يضيفها المتلقي على ما تلقاه، وبذلك انتقلت الوضعية من التهام الميتافيزيقيا إلى التهام الأيديولوجيا. هذا النقد يصلح في ميدان الفكر والفلسفة، ولكن ماذا نفعل في شاعر يتخيّل العلجوم يطير والطير يسبح في الأعماق مع الأسماك، وعروس من نار تخرج من فوهة بركان، ورأى سانتا كروز في مصنع الحدادة، وزيوس الذي كان رب الأوليمب يتسوّل في شوارع المدن المدمرة، وهو يشتم بروميثيوس الذي سرق النار فصنع منها الإنسان آلات الدمار، فازداد المتسلط تسلطاً والمضطهد اضطهاداً... وشاهد هيكاتي مع كلابها تهرب أمام التجار والمجرمين بدلاً من أن تطاردهم...؟ يعود التحليل هنا إلى إعادة الرموز الشعرية إلى لغتها الواقعية، ولكنه لا يناقش النتائج هنا كما يناقشها في الفكر والفلسفة، إنه يناقشها في مدى تحقيق الصورة الشعرية لمضمون الرموز المستقبلة، وهل عكست الواقع العاطفي للمتلقي، أم أن هناك تشتتاً واضطراباً في استخدام المعلومات المعرفية؟
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©