أحمد مراد (القاهرة)
قاضٍ عادل وجريء، اشتهر بالحزم والشجاعة، كان قوياً على الظالمين رحيما بالمظلومين، تولى القضاء لانتزاع العدل من بين أنياب الظلم، علا شأنه بين أهل زمانه، وامتدت سيرته الطيبة لمئات السنين.
هو قاضي القضاة شرف الدين أبو المكارم محمد بن القاضي الرشيد عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي القاسم بن صدقة ابن الصفراوي المصري الشافعي، والملقب بـ «ابن عين الدولة»، ولد ونشأ وعاش فترة طفولته وشبابه في مدينة الإسكندرية المصرية، ومنذ صغره كان كثير التعبد وتلاوة القرآن، وحرص على طلب العلم، وبرع في فنون وعلوم شتى، حيث كان صاحب فقه وفضائل ونظم ونثر مع تميزه بالعفة والنزاهة.
قدم ابن عين الدولة إلى القاهرة، فناب في منصب القضاء عن ابن درباس، وولي قضاء الإسكندرية من أقاربه ثمانية أفراد، ثم استقل بقضاء القاهرة، وبعدها تولى قضاء الإقليم المصري كله سنة 617 هجرية.
كان ابن عين الدولة قاضي القضاة في عهد الملك الكامل الأيوبي، وعرف بالنبوغ والشجاعة، حيث كان لا يخاف في الحق لومة لائم، ومن المواقف الدالة على شجاعة وعدالة القاضي ابن عين الدولة، أنه ذات مرة حدث أن الملك الكامل شهد أمام ذلك القاضي في حادثة، ورأى القاضي الشجاع أن الملك الكامل لا يصلح للشهادة وليس عدلاً ثقة تؤخذ شهادته، وكان على القاضي ابن عين الدولة أن يرد ويرفض شهادة السلطان الكامل الأيوبي علناً في مجلس القضاء، ولم يتردد في ذلك، فقال في لباقة للسلطان: إن السلطان يأمر ولا يشهد، وفهم الملك الكامل أن القاضي لا يقبل شهادته فواجهه مهدداً: أنا أشهد في القضية.. أتقبل شهادتي أم لا، ولم يتردد القاضي الشجاع في إعلان رأيه في السلطان بصراحة، فقال له أمام الملأ: لا أقبلك وكيف أقبلك والمغنية عجيبة تطلع عليك بموسيقاها كل ليلة وتنزل ثاني يوم وهي تتمايل سكرى، وأخذت السلطان العزة بالإثم فشتم القاضي بالفارسية، فقال القاضي للحاضرين اشهدوا أني عزلت نفسي عن القضاء، وترك المجلس وخرج غاضباً، وأوصى المستشارون السلطان الكامل بأن يعتذر للقاضي حتى لا يشيع الأمر وتصل أخبار السلطان مع المغنية عجيبة إلى بغداد، وتكون فضيحة، واضطر السلطان للاعتذار للقاضي الشجاع حتى رضي أن يعود لمنصبه.
بعد سنوات طويلة قضاها في منصب القضاء، أصيب القاضي ابن عين الدولة بألم المفاصل، فعجز عن الحركة، فاستناب من يعلم عنه، وحضر يوم بيعة المستعصم في محفة وجلس لأخذ البيعة، وبقي عالي الرتبة رفيع الشأن بين أهل مصر إلى أن مات في سنة 642 هجرية.