الأربعاء 1 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

أبوظبي: بئر الحكايات التي ولدت من ماء

أبوظبي: بئر الحكايات التي ولدت من ماء
28 يونيو 2012
عليه وحوله قامت الحضارات وترعرعت لتسقي البشرية من رضابها المعرفي، وتشفي غليل الإنسان في بحثه اللائب عن سر من أسرار الحياة. إنه الماء، كاتم أسرار البشرية، به نشأت الحكاية الوجودية الأولى للإنسان. الماء الذي يفسر سرّ التكوين البشري الفردي، ويفسر أيضاً سرّ التكوين الإنساني الجماعي وآليات حضوره الكبرى وتجلياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية وغير ذلك. الماء، به وعنه وحوله حيكت الأساطير وحفرت الرسوم على جدران الكهوف، وترقرقت بلاغات تاريخية عالية منسابة بين الصخور الوجودية الأولى، وسهوب وكهوف ومحارات الزمن المعلق على أكتاف الخلق الأول.. كثيرة هي مغريات الحديث عن الماء الذي ما أن تنفتح سيرته حتى تنفتح عوالم المعنى على بحار وأنهار وينابيع حضارية لا تخبو عطاءاتها ولا تمل البشرية من الحديث عنها واستقراء ملغزاتها وعظاتها... لكن هذه الكتابة مقتصرة على حكاية واحدة من حكايات الماء مع الشعوب هي حكاية الإماراتي مع مائه. تقول بقايا الحضارات المكتشفة في كل من جزيرة أم النار، وفي منطقة هيلي بمدينة العين، ومنطقة البدية شمال إمارة الفجيرة، وتل إبرك بين الشارقة وأم القيوين، وغيرها من المستوطنات البشرية القديمة أن أرض الإمارات شهدت منذ خمسة آلاف سنة ونيّف مراكز حضاريّة ومستوطنات بشريّة في العديد من المناطق الداخلية والساحلية، كانت على تواصل مستمر مع الحضارات المعاصرة لها في بلاد الرافدين والسند، وقد كان للماء الدور الأول في نشوئها واستمرارها. وتشير أقدم الأدلة المتوافرة حتى الآن إلى أن طرق الري واستغلال المياه الجوفية عُرفت في دولة الإمارات منذ بداية الألف الثالثة ق.م حين اكتشفت أربعة آبار في ثلاثة مواقع أثرية في منطقة الهيلي بمدينة العين، وجميعها تعود إلى العصر البرونزي. تقع البئر الأولى في منتصف بناية يرمز لها بهيلي (1)، ويقع البئران الثاني والثالث في بناية مشابهة تشغل الجزء الأكبر من موقع هيلي (8) خارج حديقة الآثار، أما البئر الرابعة فتقع في منتصف البناية الكائنة داخل الحديقة ويطلق عليها الموقع رقم (15). بدايات مائية للماء أكثر من رواية في جزيرة أبوظبي.. إلّا أنها تشكل - وإن تباينت في بعض الأحيان- محصلة حقيقيّة للعوامل التي تدفع الجماعات البشريّة إلى التحرر من قيود المكان، عندما ينوء بموارده وإمكانياته المحدودة تحت وطأة الاحتياجات المتزايدة لتلك الجماعات، وفي كل مرّة يبقى الماء طوق النجاة، والمتغير الثابت من بين متغيرات الصحراء الأخرى الذي يحسم جدلية الحياة فيها. أبوظبي، قبل عام (1761م) كانت جزيرة غير مأهولة، إلّا من بيوتات من القش وسعف النخيل للصيادين من قبيلة بني ياس، الذين كانوا يرتادونها في بعض المواسم. ومع جاذبية الحكاية التي تفسر سبب تسميتها بهذه الاسم، والتي باتت معروفة للقاصي والداني، يأخذنا النبش في ذاكرة الجزيرة إلى أول رمز من رموز الحياة فيها... إلى الماء. إذ يقال: إن الذي حول هذه المدينة التي تتربع على جزيرة مثلثة الشكل من مكان طارد للسكان إلى مكان جاذب لهم، هو الماء، تقول جوينتي مايترا في تأريخ هذه الحقبة: “بعد اكتشاف المياه في جزيرة أبوظبي عام (1761م) بدأت بعض فروع بني ياس في الإقامة في الجزيرة التي كانت معروفة باسم (مليح)، وربما لوجود المياه المالحة فيها. وهكذا بدأت أبوظبي تتمدد حول أول بئر ماء حفرت فيها، بتزايد المقيمين فيها من قبيلة بني ياس، ولم تمض فترة طويلة حتى قام الشيخ شخبوط بن ذياب بتعزيز هذه المكانة المتنامية لها بنقل مقر الحكم من ليوا إلى أبوظبي عام 1791م، وهذه البئر الأولى، وإن بدت الآن في غاية التواضع أمام مصادر الماء الحديثة، إلّا أنها أحد الشواهد الخالدة في ذاكرة المكان، لا سيما بعد أن أصبحت مدينة أبوظبي تصنف في المرتبة الأولى من بين مدن العالم الأكثر استهلاكاً للماء. بئر المعرفة جغرافياً، ربما لم تكن المياه حاضرة بوفرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، نظراً لاعتبارات المناخ والموقع الجغرافي، لكنها حضرت في الموروث الثقافي والتراثي لأهل المنطقة. وحفرت حضورها هذا في شتى مناحي الحياة، تماماً كما حفر الناس الآبار للبحث عنها واستخراجها، فكانت بئراً معرفية تمظهرت في المثل الشعبي والحكاية “الخروفة” والقصص الشعبي والشعر النبطي وغير ذلك من صنوف التراث الشفهي الذي يحمل في جوفه تاريخ هذه البلاد. صحيح أن لا أحد يمكنه التكهن بأول بئر حفرت في الإمارات ولا أثر يقود إلى صاحبها.. لكن آثاراً كثيرة تؤكد أن البئر رافقت الإنسان الإماراتي في كل مراحل حياته. منها شرب وسقى إبله وماشيته، وعلى ضفافها أو بالقرب منها استقر ونصب الخيام فدوزنت حياته ورسمت خطاه في المكان والزمان.. وهي حتى اللحظة شاهدة على عصور طوال ورحلة صعبة، قاسية، في صحراء جافة، يعادل الماء فيها الروح. تسمى البئر في المحكية الإماراتية (الطوي) وجمعها (طويان)، وهي حفرة يحفرها الإنسان للوصول إلى الطبقة الحاملة للماء الجوفي، ويختلف عمقها باختلاف عمق هذه الطبقة وبعدها عن سطح الأرض. وتعتبر الآبار من أبرز الوسائل أو الطرق التي يستخرج منها المياه الجوفية وأقدمها، لذا نشأت حولها أو بالقرب منها، مراكز الاستيطان البشري، والأنشطة الاقتصاديّة المتنوعة، وكان من بينها العام الذي يستفيد منه السكان المقيمون حوله، أو الذين يمرون به في أسفارهم وترحالهم، ومن هذا النوع من الآبار التي تحفر في نطاق الحارة أو الفريج، والآبار التي تحفر إلى جوار المساجد. أما النوع الثاني فيتمثل في الآبار التي تحفر في المنازل لتوفير حاجات سكانه الخاصة. في الماضي، كان حفر البئر مسألة شاقة، وكانت الأيدي كلها تتعاون لكي تخرج الأرض بعض خيرها الدفين، وفي كتاب “ثقافة الماء في التراث الإماراتي” الصادر حديثاً عن إدارة التراث المعنوي في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة والذي أعده خبيرا التراث: الباحث الدكتور موسى سالم الهواري والدكتور مزيد النصراوي يمكن للمرء أن يجد تفاصيل كثيرة عن وجود الماء وتجلياته في التراث ومصادر المياه وطرق استخراجها وحفر الآبار وأنواعها وما يتعلق فيها. ومنه نقتبس: “كان سكان الإمارات يحفرون آبارهم بطرق بدائيّة، لذا كانت أعماقها لا تتجاوز عشرة أمتار في أغلب الأحيان، ومنذ منتصف الستينات، ونتيجة التغيرات الديموغرافية والاقتصادية التي بدأت تفرض وجودها على مجتمع الإمارات، والتي تمثلت في الزيادة الملحوظة في عائدات النفط، وقيام الاتحاد، وزيادة عدد السكان، والتنمية الشاملة، بدأ منسوب الكثير من الآبار بالانخفاض، مما استدعى تعميقها إلى أكثر من 150 متراً في بعض الحالات للوصول إلى الطبقات الأكثر اختزاناً للمياه، وحفر آبار جديدة تعويضاً للآبار التي بدأت نسبة ملوحتها ترتفع بشكل كبير، فعلى سبيل المثال بلغ عدد الآبار التابعة لشركة العين للتوزيع عام 2003م، 450 بئراً، تم إيقاف 134 بئراً منها نتيجة ارتفاع نسبة الملوحة فيها، وبالتالي تغير خصائصها. ويمكن تقسيم الآبار في دولة الإمارات العربيّة المتحدة تبعاً لأغراضها أو طرق الاستفادة منها إلى: الآبار المخصصة للشرب والأغراض المنزلية. الآبار المخصصة لري المزروعات. الآبار المستخدمة في أغراض اقتصاديّة وحضريّة. وتنتشر الآبار في إمارات الدولة كافة، وتتركز آبار المياه العذبة على وجه الخصوص في السهول الحصويّة، والسهول الساحليّة الشرقية، والسهول الرمليّة الداخليّة، أما أكثرها عذوبة فتقع عند أقدام الجبال في السهول الحصويّة الشرقية والغربيّة، كما تقع في الواحات لا سيما واحات منطقة العين، وواحات ليوا. وتدل الآثار أن نطاق السهول الحصويّة في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، من أقدم المناطق استيطاناً، وأوفرها ماءً، فقد استوطنتها جماعات بشريّة منذ أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، كما في الهيلي، والقطارة، ومليحة، والدقداقة. وتشكل منطقة الظفرة أكثر من 50 % من مساحة الكثبان الرمليّة في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، وتنحصر بين سبخات الختم في الشمال، والحدود السياسيّة الجنوبيّة، والجنوبية الشرقية والغربيّة مع المملكة العربيّة السعوديّة وسلطنة عُمان، وبين بينونة والسهل الساحلي غرباً، حتى الحدود السياسيّة مع سلطنة عمان بين أم الزمول والعين شرقاً”. (انتهى الاقتباس). بئر.. وبئر إذا كانت البئر الأولى التي حفرت في هذه الأرض بحثاً عن المياه مجهولة النسب، ولا يعرف صاحبها، فإن بئراً أخرى تشاركها في الأهمية وربما تتفوق عليها عند البعض لها تاريخ واضح ومعروف وموثق في ذاكرة الكتب والاقتصاد.. أعني بئر النفط التي باتت منذ ظهور (الذهب الأسود) المنافسة الأولى لبئر (الذهب الأبيض). لكن البئر الجديدة (بئر النفط) لم تكن مثل (بئر النبي يوسف عليه السلام) ولم تسلك مع أختها (بئر الماء) سلوكاً عدائياً ولا منافساً كما فعل إخوته، بل كانت في غاية الكرم مع أختها، ولم تبخل عليها بما بين يديها من الإمكانيات وما تمتلكه من القدرات وسخرتها لها ليصبح حفرها أسهل وأيسر ولتخرج المياه العذبة من حَبسِها في باطن الأرض إلى سطحها، فتروي البلاد والعباد. وعودة إلى البئر وحكايتها، يتضح لدى البحث عن أول من حفر الآبار الموجودة في المنطقة أن الأمر موضوع خلاف ولا إجماع حوله. ثمة روايات جاءت في كتاب الهواري والنصراوي على لساني محمد بن سعيد بن عوشانه وخميس الفندي غانم المزروعي، وهما من كبار الرواة في المنطقة، رجحا الرواية التي ترى أن قبائل بني ياس والمناصير التي سكنت المنطقة منذ القديم، هم أول من حفر هذه الآبار، دون ردِّ هذا العمل إلى أشخاص بعينهم، كما يأخذان باحتمال أن تكون قبائل بني هلال هي التي سبقت غيرها في حفر العديد من الآبار، مستدلين على وجود مقابر تعود لعشائر منها، ما زالت باقية بالقرب من أحد الآبار القديمة في المنطقة. ومعلوم أن بني هلال من القبائل العربيّة البدويّة التي ظهرت في وسط نجد، ثم هاجرت في مرحلة لاحقة إلى الشام، ثم إلى مصر، فبلاد المغرب العربي الكبير. ويقول الباحثان: “رغم تعدد الروايات حول تاريخ حفر الآبار، إلّا أنه من الممكن تغليب الرأي القائل: إن هذا التاريخ يواكب المرحلة التي تحولت فيها قبائل المنطقة من حياة التنقل والترحال، إلى حياة الاستقرار أو شبه الاستقرار، وما نجم عنه من حاجة لمصادر ثابتة من المياه، تفي بحاجات الزراعة، والزيادة المستمرة في عدد السكان. إذ تذكر جويني مايترا في كتابها “قصر الحصن - تاريخ حكام أبوظبي” أن المرحلة الأولى من تشكيل مشيخة أبوظبي بدأت باستيطان قبيلة بني ياس في صحراء الظفرة، عندما سيطرت في أوائل القرن السابع عشر على الظفرة أو على الإقليم الصحراوي بأكمله الممتد بين ساحل الخليج العربي في الشمال والربع الخالي في الجنوب. وبمرور الوقت أصبحت الظفرة، وبخاصة واحة ليوا الواقعة في وسطها مسكن قبيلة بني ياس التاريخي لما تحويه من أراض خصبة، ومياه عذبة”. حداء البئر في سكون الصحراء وصمتها الموحش، لم يجد البدوي غير الشعر يخفف عنه غربة النفس ووحشة الطريق. وكان الحداء رفيقه سواء في السفر الطويل أو في استخراج الماء من البئر. ولا أنسى إيقاع تلك الكلمات على روحي عندما سمعتها لأول مرة في قرية التراث. كان الرجل يحدو وهو يجر الحبل من البئر ليخرج دلو الماء فيما الشمس تغيب في ثوبها البرتقالي ليخرج المشهد كله في حزن سماوي عجيب. لعله صوت الماء أو حزن الرجل العجوز أو الغروب الأسيان هو ما يجعل للحداء طرباً خاصاً ممتعاً لمؤديه وسامعيه من البشر بل ومن الإبل أيضاً، التي تقبل، لدى سماعه حسب ما تقول المصادر وتقول الخبرة الطويلة، على شرب الماء بنهم شديد. وتعكس حكايات الآبار في بعض الأحيان علاقة الحب التي نشأت بين البدوي، عاشق الشعر الذي يقوله عفو الخاطر، وبين البئر، فعلى مستوى الاسم لكل بئر من اسمها نصيب ودلالة، وفيها يقع الباحث على مكنوزات دلالية متنوعة؛ فالآبار التي استخدمت في الماضي ثم طمرت تسمى (طوي الجليب)، وتلك التي حفرت في سيح حيث التربة القاسية تسمى (العد)، أما طوي (الهيام) التي يحفرها البدو عن طريق صب الماء في الجزء المحفور لجعل التربة أكثر ليونة، ومباشرة الحفر، ثم صب الماء ثم الحفر في عملية متتالية إلى أن يخرج الماء من مخبئه... ألا يعني ذلك أنهم حفروا عن الماء بالماء؟. ثم ألا يذكّر اسم (الطوي) بعملية الطي، ما يسمح للمخيلة أن تذهب في ظنها الشعري بعيداً للقول إن البئر ليست سوى سجل يطوي في داخله تاريخ الماء؟. حكايات شعبية حول البئر ولدت حكايات.. نمت قصص.. كبر أطفال في أفياء الحكمة.. ونبتت (للخروفة) أجنحة طارت في السنين والأعوام لتحط الرحال في كتاب أزرق يسبح في ماء الحكايات. ويمكن لمن يريد التقصي عن الحكايات الشعبية التي تدور حول الماء أو يلعب فيها عنصر من عناصره دوراً مركزياً في الأحداث أن يجد الكثير منها، وقد جمع الباحث الدكتور موسى الهواري أكثر من مئة حكاية من منطقة الظفرة أصدرت منها إدارة التراث المعنوي في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة خمس حكايات مصورة حول الماء باللغتين العربية والانجليزية في نوع من استعادة الماضي أو التمسك ببعض ملامحه في وقت تتهاوى فيه الذاكرة الإنسانية الشفاهية تحت ضربات التحديث القوية. فالذاكرة التي لا تتشكل بغير الأحلام والقصص الخرافية والحكايات الشعبية تبقى هي المختزن الهائل للمعيش واليومي في المجتمع الإماراتي. تحت ضوء القمر في الفرجان التي كانت مرتعاً للمحبة بين الجيران.. أو في البيوت التي كانت ساحة للفرح والمرح بين الأطفال، وعلى إيقاع دلال القهوة وروائح الهال كان يتم سرد الحكاية لتجذب الأطفال إلى النوم. تتباين الحكايات الخمس في عناوينها، إلا أنها تشترك في جذع واحد وهو الماء الذي يروي متونها كما يروي شغف الصغار لمعرفة الأحداث المثيرة والنهايات الدالة.. وهي تتوافر على غير قليل من التشويق والتصاعد الدرامي الذي ينتهي بحكمة مبطنة أو مباشرة كما في حكاية “راعي السعن” (السقا) التي تنتهي بهذه الكلمات الوعظية المباشرة: هذا مصير من يقدر على تقديم العون للناس ويمنعه عنهم. هذه الحكاية التي تعلم الطفل على نحو مباشر كيف أن عمل الشر ينقلب على صاحبه وبالاً وحسرة، وأن الإنسان عليه أن يفعل الخير ولا يمنعه عن أحد.. تعلمه في مستوى آخر أن لا يحكم على الأمور بظواهرها بل يعمل النظر والتفكر في ما وراء القشرة الخارجية، وهي بذلك تؤشر على خطأ النظرة المظهرية إلى الأشياء والأحداث، مذكرة بالمثل العربي الشهير “ليس كل ما يلمع ذهباً”، فالرجل - خلاف ما تصور في بادئ الأمر - لم يجد ضالته (السعن) عند أهل البيت الثري أو ميسوري الحال بل وجده لدى امرأة فقيرة لكنها كريمة النفس رحبت به واستقبلته ببشاشة ثم أحضرت له السعن الوحيد في بيتها وقد ملأته بالماء وهي تقول: تفضل أعانك الله على مشاق السفر في الصحراء، وأعادك إلى أهلك سالماً غانماً. ليس ما يمنع هنا من تأويل الماء بصنع المعروف والأصالة، فالماء الثمين لا يضحي به في الصحراء إلا إنسان أصيل، يمتلك كرم النفس والثراء الإنساني الذي تترجمه الحكاية بآيات من القرآن الكريم توجهها المرأة الفقيرة إلى البنات الغنيات: ألم تسمعن قول الله تعالى: “فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون”. وفي الإطار ذاته (كيفية التعاطي مع الماء والطعام في الصحراء أو في الأوقات الحرجة) تأتي الحكاية الثانية “عاقبة الطمع” التي يخرج منها الطفل بالحكمة نفسها من حيث ضرورة فعل الخير والتخلق بالأخلاق الحسنة والحرص على الفضائل ونبذ الطمع. والحكاية تتحدث عن رجلين (بخيل وكريم) يسافران معاً، فيطعم (الكريم) رفيقه (البخيل) طوال الطريق من صرة طعامه ويسقيه من مائه، ولما ينفد ما لديه يطلب منه الطعام والماء فيرفض البخيل، فيفترقان كل في طريق. وتشاء الحكاية أن يفقد البخيل ما لديه من ماء وطعام، ويأخذ منه العطش كل مأخذ، فيجلس ينتظر من يسعفه بشربة ماء، فلا يجد سوى صديقه الكريم يعود إليه بعد أن اهتدى إلى بئر ماء ليسقيه ويعتذر منه، فيرد عليه البخيل: كيف تعتذر وأنا الذي أعماني الطمع عن فعل الخير. في حكاية “بدع سويلم” تتبدى أهمية الماء باعتباره مصدراً مشتركاً لكل البشر، وكأنها تترجم الحديث النبوي الشريف: “الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار”، فسويلم لا يعود من رحلة القنص بالأرانب فقط بل بالحكمة والمعرفة وضرورة اقتسام الخير الذي وجده مع باقي الناس. أما الخير فهو عثوره على ماء عذب صاف في بطن النقا، وأما المكسب فيأتي سؤالاً على لسان خاله الذي يقول له: هات كل ما كسبته اليوم في رحلتك، فيضع أمامه الأرانب التي اصطادها، لكن الخال يقول: أنا لا أقصد الأرانب، بل ما وجدته في بطن النقا. وأما الحكمة فهي تحويل الماء إلى بئر يشرب منها كل الناس بعد أن سمياها بدع سويلم. ولا تبتعد حكاية “الثعلب والديك” عن معالجة المنحى نفسه: الخير والشر. وهي تؤكد على ضرورة الوفاء بالعهود والالتزام بها وعدم الغدر وتبرز العاقبة الوخيمة للغدر بالأصدقاء ونقض المواثيق والعهود. فضلاً عن الحض على التفكير والتدبر واستخدام العقل في ما يتعرض له المرء من ظروف وأحوال. فالعدوان اللدودان قررا في (الخروفة) أن يعقدا صلحاً بينهما واتفقا على أن لا يؤذي أي منهما الآخر. ولكن كيف بوسع الثعلب أن يستمر في هذا الصلح، والديك يتنقل بالقرب منه بلحمه الطري اللذيذ، فبينما كانا يلهوان ويلعبان معاً أحس الديك بأن الثعلب بدأ يمارس مكره من جديد، وأنه يتحين الفرصة للانقضاض عليه. قال الثعلب للديك: أتوسل إليك يا صديقي، إنني أشعر بألم شديد، وأريد أن تعالجني لأنك ذكي وحكيم، فادخل معي إلى الغار ولا تخف. شعر الديك بالخوف، لكنه قرر بالفعل استعمال ذكائه للتخلص من الثعلب، فقال للثعلب: سوف أنزل إلى هذا الطوي (بئر الماء) لأجلب لك الدواء، وأريد منك أن تحرسني حتى أعود. وجد الثعلب في عرض الديك فرصة مناسبة للانقضاض عليه والظفر بلحمه الطري، فعندما نزل الديك إلى البئر، نزل وراءه الثعلب، وفجأة بدأ بالهجوم عليه، لكن الديك كان أكثر ذكاءً منه فما أن رآه يحاول الانقضاض عليه بأسنانه الحادة، حتى حرك جناحيه بسرعه وطار خارج البئر، فسقط الثعلب، وبدأ يستنجد بالديك ليخرجه، لكن الديك تركه يلاقي مصيره قائلاً له: (هذا جزاء من يغدر بصديقه). ها هنا، تمارس البئر وظيفة أخرى غير توفير الماء، حيث تصبح حليفاً للخير المتمثل في الديك ضد الشر المشخص في الثعلب، وإذ يغرق الثعلب في شر أعماله يغرق الأطفال في عوالم الحكايات السحرية مملوئين بالهناء ومعبأين بالأحلام والأخيلة. من بينها سعن وسقي وشنّ وخرس ومشاة وعتلة ورشا أدوات الماء استخدم سكان الإمارات أدوات تقليدية في الاستدلال على المياه الجوفية وحفر الآبار، واستخراج الماء منها. وتميزت هذه الأدوات بارتباطها الشديد بالبيئة الإماراتية من حيث المواد الخام، وطرق الاستعمال، وأساليب الإنتاج، ومن أبرز هذه الأدوات: ? الدلو وعاء مصنوع من جلود الأغنام والإبل يستخدم لسحب الماء من البئر، ذو شكل أسطواني مفتوح من أعلاه، ومثبت عليه عارضتان متقاطعتان من الخشب، يربط بوسطها الرشا الذي يمسك به الدلو. إضافة لدورهما في منع الدلو من الانفلات عندما ترمى في البئر وتمتلئ بالماء. ? الرشا: هو ما يعرف حالياً بالحبل، وهو عبارة عن حبل متين من الألياف أو جلود الحيوانات، أما طريقة تشكيل الحبال أو فتل الحبال كما تعرف محلياً فتتم بعزل الليف من النخيل، وغالباً ما يتجاوز طوله عمق البئر، وذلك من أجل وصول الدلو قاع البئر وسحب الماء منه. ? القربة (السقي): تعتبر القربة من الأدوات التقليدية الخاصة بحفظ الماء وتبريده عند البدو. وهي وعاء جلدي مصنوع من جلود الأغنام أو الإبل. وكان يعلق في وسط العريش أو الخيمة وذلك لا يتم عشوائياً، فالخيمة مفتوحة من الجانبين ونسمات الهواء تنساب من وسط الصحراء وهذا التيار الهوائي يقوم بتجفيف وتبخير الماء المتجمع على سطح جلد الماعز مما يساعد على تبريده، فيتحول الماء إلى البرودة فيشربه البدوي بارداً في جو الصحراء اللافح. ? الحوض أو الشن: حوض كبير مصنوع من جلد الإبل يُملأ بالماء لتشرب منه الإبل أو الأغنام، يكون في الغالب مستطيلاً أو دائري الشكل مرفوعاً على ثلاث أو أربع أرجل متقاطعة الشكل، ومصنوعة من شجر الأرطا أو العبل، ويربط هذا الحوض على الأرجل بواسطة سيور من الجلود. ? الخرس: وعاء مصنوع من الفخار يستخدم لحفظ الماء وتبريده. ? المشاة: أداة تصنع بشكل يدوي من سعف النخيل على شكل وعاء نصف أسطواني، تربط بحبل من جهاتها الأربع ثم بالرشا تستخدم لرفع الرمل من داخل البئر سواء في عملية حفر البئر أو تطييبه. وتعد المشاة من أهم الأدوات التقليدية المستخدمة في حفر الآبار. ? العتلة: أداة من الحديد يستعان بها في حفر الآبار، تتكون من رأس فأس عريضة متصلة بذراع خشبية طويلة. هامش: من كتاب ثقافة الماء في التراث الإماراتي الصادر عن هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©