الأربعاء 1 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

أخطــر فكرة في العالم( 1-8)

18 ابريل 2005
غادة سليم:
كم من حروب دامية اشتعلت من وراء فكرة مجنونة حاولت أن تفرض نفسها بالقوة على الآخرين · وكم هي المآسي التي عرفتها البشرية نتيجة فكرة مسيطرة تحولت إلى أفعال مدمرة· وفي السنوات القليلة الماضية انتشرت أفكار عديدة جاءت وليدة ثورات علمية أو صراعات سياسية أوأزمات اقتصادية أو إفرازات دينية· منها أفكار شائكة ومعقدة تركت أثراً محسوساً على واقع الأحداث العالمية، ومنها أفكار تجريدية وغير ناضجة تخفي من ورائها نتائج ضارة ومؤذية··هذه الأفكار على خطورتها تصبح هشة ويسهل تحطيمها وتفكيكها إذا ما تم بحثها ومناقشتها في حوار على قدر عال من الحياد والموضوعية والشفافية· ولكن ما هي أخطر فكرة في العالم؟·
سؤال طرح على 16 من أبرز قادة الفكر وصناع القرار والأكاديميين ورواد العلم والفلسفة في الشرق و الغرب· بدايته جاءت من خلال مناقشة ثمانية من الغربيين عبر مطبوعة ' فورين أفايرز' الأمريكية بهدف دق ناقوس الإنذار المبكر والتنبيه إلى ما يمكن أن تحمله الأفكار الخطرة من أحزان للبشرية ، تابعنا ذلك بوعي وأدركنا أهمية الإضافة والتطوير من خلال ثمانية مفكريين من الشرق ، مما يجعل هذا الجهد ليس متمما فقط للأول ولكنه يمثل الإثراء للفكر البشري و التبليغ برؤية أخرى من خلال المشاركة في الحقل العالمي للمعرفة والثقافة وعالم الأفكار بوجه عام ، وبذل كل تقدم لرؤية شاملة للفكر الإنساني لجهة تبيان أخطر فكرة في العالم ·· رحلة بحث طويلة شملت آراء كل من: عبدالرحمن النعيمي وريتشارد رايت ، نادر فرجاني ومارثا ناسباوم ، سيار جميل و وبول دايفز، سليم الحص وفرانسيس فوكوياما ، عبد الوهاب المسيري وإريك هوبسباوم ، منصف مرزوقي وسامنتا بور، عبد العزيز المقالح وفريد زكريا ، فاروق الباز وأليس ريفلين ·
تأتي الحلقة الأولى من الملف لتعكس مدى التداخل والتوافق بين رؤى بعض مفكري الشرق والغرب حول أخطر فكرة في العالم· فلقد التقي د· عبد الرحمن النعيمي المفكر السياسي البحريني البارز والبروفيسور ريتشارد رايت عالم الآثار الأسترالي وخبير علوم البحث الجنائي في عدد من المحاور الرئيسية رغم اختلافهما في ترجيح الفكرة التي رشحها كل منهما لتكون الأخطر على مستوى العالم· فلقد اعتبر د· النعيمي أن فكرة 'الفرقة الناجية' هي الأخطر· وتتلخص في إيمان فئة من البشر بأنها تحتل المكانة الأسمى والأرفع من بين بني البشر وتمتلك الحقيقة المطلقة وأنها مكلفة بقيادة العالم وفق رؤاها· وهي فكرة العنصر الأفضل أو الشعب المختار أو الجنس الأنقى أو الأسرة المصطفاة· وخطورة هذه الفكرة تكمن في كونها تنفي كل قيم المساواة والعدالة وحرية التعبير والتنظيم· بينما رأى البروفيسور ريتشارد رايت أن الحرب على الشر هي أخطر فكرة تهدد العالم الآن لأنها تقسم البشر إلى قسمين خير مطلق وشر مطلق· مما يحدث شرخاً عميقاً في جسد الإنسانية من شأنه تدمير الإرث العظيم المدّخر في ذاكرة التاريخ والذي اختزلته الفلسفات القديمة بوصولها إلى مفهوم المواطن الكوني، وعمقته الديانات السماوية في مفهوم الإنسان الواحد ، وأتمته الرسالة المحمدية بإلغاء المفاضلة بين بني البشر· وسيتضح للقارئ في السطور التالية مدى اندماج الفكرتين في أن لواء الحرب على الشر ربما ترفعه إحدى الفرق الناجية·!
شرق:
د· عبد الرحمن النعيمي:الفرقة الناجية والمعصومون·· والطليعة الثورية
يقول الدكتور عبد الرحمن النعيمي : أن السؤال حول أخطر فكرة يضع الإنسان في مأزق في ظل المصالح المادية التي تحرك الصراعات في العالم، والأفكار التي يروج لها البعض لتبرير ما يقومون به من حروب واستيلاء على أراضي الغير· وتحت هذه الفكرة تندرج كثرة من القوى والأحزاب والجماعات السياسية والاجتماعية التي تؤمن بموضوع العنصر الأفضل، والشعب المختار، والطليعة الثورية، والأسرة المصطفاة· وبالتالي فإن لديهم الاعتقاد بأنهم جماعة من الناس يملكون الحقيقة المطلقة وهم الفرقة التي يجب أن تقود المجتمع ضمن رؤاها الخاصة، حيث أنها ترى ما لا يراه الآخرون ، وأنها مطالبة ـ بتكليف إلهي أو طبقي أو قومي ـ بقيادة الشعب والأمة ضمن الرؤى المحددة لها، ومن حقها أن تحتكر السلطة في الدنيا، وستكون الفرقة الناجية من النار يوم القيامة، وبالتالي فعليها أن ترشد الناس حتى لو اضطر الأمر إلى القتل والإرهاب ومصادرة كافة الحريات التي يجب أن يتمتع بها الآخرون· وبالتالي تنتفي فكرة المساواة والعدالة وحرية التعبير والتنظيم وحرية الآخرين·· وكل المفهوم الديمقراطي·
و تلتقي الفرقة الناجية والمعصومون والطليعة الثورية في اعتبار مجموعة من البشر اصطفاها الله أو المجتمع أو القوة الفكرية الخارقة التي تملكها نتيجة تبحرها في علمها الخاص (الدين ، الماركسية ، القومية ··) وأنها تعرف كيف يسير التاريخ وتملك الحقيقة المطلقة، وأن التاريخ قد برهن صحة خطها (كما كان يقول الرفاق الشيوعيون بمختلف تلاوينهم) وأن (ما يقوم به الناس مكتوب منذ الأزل في اللوح المحفوظ) كما يرى القدريون ، و(العالم يعيش جاهلية في الوقت الحاضر) كما يقول الأخوة السلفيون، وأن (على أمريكا قيادة العالم لأنها الخير المطلق) كما قال رونالد ريجان ويقول بوش الابن، وعلى الآخرين أن يسيروا وراء أمريكا·
السـلفـــــية و الصهــــيونية
ويضيف د· النعيمي : نشاهد ذلك على الأرض حالياً لدى التيار الإسلامي السلفي·· ولدى المحافظين الجدد في الولايات المتحدة·· ولدى غلاة الصهاينة في فلسطين·· الكل يدعي بأن له الحق في مصادرة الآخر والقضاء عليه·· وأن الله سبحانه قد اصطفاه لينقذ البشرية من الجاهلية التي تعيشها ومن الإرهاب ·· وتتحقق مقولة (شعب الله المختار)!!
في الحالة الأولى يريد التيار السلفي مصادرة كل التراث الإنساني لكل الحضارات - والتي صبت في خدمة الإنسان وإعلاء كلمته وتحسين أوضاعه- واعتبار كل الأديان الأخرى لا حق لها بالوجود طالما أننا قد وصلنا إلى الإسلام ·· فعلى الآخرين أن يصلوا إليه،( ولا تتردد هذه الفرقة في تحطيم تمثال بوذا في أقاصي جبال أفغانستان باعتباره صنماً، كما قضت على الكثير من الآثار التاريخية العظيمة في الجزيرة العربية عندما انتشرت الدعوة الوهابية في القرن الثامن عشر وما تلاها حتى منتصف القرن المنصرم)· وأن كل الفرق والطوائف والمذاهب الإسلامية الأخرى بدعة (وهي التي تضع مقياس البدعة ولا تتردد عن ابتكار الأحاديث النبوية أو التفسير التعسفي للنصوص القرآنية)·· وكل بدعة ضلالة ·· وكل ضلالة في النار·· وبالتالي يجب القضاء على أهل البدع ·· سواء بذبحهم أو بحرمانهم من الحقوق المدنية وعدم مساواتهم بالمواطنين الآخرين ·· وعدم السماح لهم بالعمل في الجيش والأمن والإعلام والتربية·· واحتكار هذه المؤسسات التربوية والإعلامية من قبل القابلين بحزبها أو مذهبها والتابعين لهذه الفرقة الناجية التي تمثلها (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و(تنظيم القاعدة) وكافة المسميات التي نراها في واقعنا الراهن والتي تضع لنفسها الحق في مصادرة الكتب والأفلام السينمائية والأعمال المسرحية !!! إضافة إلى مطالبة المرأة بالنقاب حتى لا يراها الرجل! هكذا يتم التعامل بين أبناء البشر بالنسبة لهذه الفرقة) وبالتالي فإن هذه المجموعة تضع قيمها على المجتمع وترفض قيم الآخرين، بل تعتبر ما يطرحه الآخرون بدعة حتى لو كانت تحت قبة البرلمان بحجة الحفاظ على القيم الإسلامية في مجتمعنا، ولا تتردد عن تقديم وزير للاستجواب بحجة أنه يسعى للإخلال بقيم المجتمع التي هي قيمها الخاصة وليست قيم المجتمع··
هذا النفر لا يؤمن بالديمقراطية ·· ولا بالمؤسسات الديمقراطية·· ويردد بأنه مع أولي الأمر·· ويريد كل الأبواب مفتوحة أمامه·· لكنه يغلقها أمام الآخرين·· فليس مسموحاً بدخول الكتاب إذا كان يحمل أفكاراً تتعارض وأفكار هذه الفرقة·· كما نشاهد في الدول العربية وخاصة الخليجية·· ويرى ضرورة تسلله (إذا لم يكن في الحكم) إلى المؤسسات الإعلامية ووزارة التربية، لتوجيه المجتمع وخاصة النشء (دون أن يسمح للآخر بذلك) ويرى في تطوير المناهج خروجاً على الدين إذا تسامحت مع المذاهب الأخرى، أو ابتعدت عن الغلو أو نشرت أفكارا ديمقراطية أو طالبت بالمساواة للمرأة·· ولا يؤمن بأن تكون هذه المؤسسات ملكاً للمجتمع وتحريرها من هيمنة الدولة والسماح لجميع الاتجاهات والتيارات الفكرية أن تتبارى ·· فكل ما يخالف أفكارها يجب مصادرته·· حيث أنها تدعي بأنها مخولة من الباري عز وجل بأن تكون رقيبة على بقية البشر، توزع عليه أشرطة عذاب القبر والأسئلة التي سيوجهها (منكر ونكير) بعد الموت!!·
العهد الراشدي
ويقول د· عبد الرحمن النعيمي أيضا : هذه الفرقة توهمنا بأن العهد الراشدي هو أفضل العهود وبالتالي يجب العودة إليه·· دون أن تقول لنا الظروف الموضوعية التي كانت سائدة في تلك الفترة· والتي أنتجت حاكماً عادلاً كعمر بن الخطاب (دون أن تشير إلى الصراعات الكبيرة في مسألة الخلافة بعد وفاة الرسول سواء بين المهاجرين والأنصار أو بين أهل البيت وبقية الصحابة·· )· وعندما نتحدث عن الحقوق المدنية والسياسية للمرأة فان هذه الفرقة لا تؤمن إلا بوضع المرأة في البيت تحت السيادة الرجولية·· وضمن المقاييس الأكثر تخلفاً التي عرفتها البشرية باعتبار أن المرأة دورها التفريخ ورعاية الأطفال وتربيتهم ضمن المقاييس التي تضعها الفرقة الناجية··
هذه الفكرة أنتجت دولاً ، وأسهمت في بناء مجتمعات مرتبكة في الوقت الحاضر، بل أن هذه الجماعات تعاني من التمزقات في الأوضاع العادية، ولذا فإنها تجنح إلى الجهاد، حيث توصل أفرادها إلى أقصى درجات التوتر والانغلاق الفكري والتعطش إلى مصادرة حق الآخرين في الحياة ·· وعدم التردد في ذبح معارضيها وسط جهودها لمقاتلة الأمريكان المحتلين كما نشاهد في العراق··ولا يقتصر الأمر على التيار الإسلامي السلفي، أو التيارات الدينية الأخرى ، النصرانية أو اليهودية التي لن أتوقف عندها كثيراً حيث المثال الصارخ في فلسطين، حيث اعتبرت الحركة الصهيونية فلسطين حقاً تاريخياً لليهود (شعب الله المختار) وبالتالي شن الحروب وارتكاب الجرائم بحق الشعب العربي في عموم المنطقة، وطرد الفلسطينيين من ديارهم، وإرباك المجتمع الإنساني كله (تحت شعار التصدي لمعاداة السامية، كما يفعل الرئيس الأمريكي الحالي)· بل أن الأمر يمتد إلى الحركة الثورية نفسها، حيث اعتبرت هذه الحركة (سواء القوميين أو الشيوعيين) أنهم يملكون الحقيقة المطلقة وأن من حقهم تصفية خصومهم بالذبح أو حرمانهم من كافة الحقوق كما شاهدنا في الاتحاد السوفيتي أو البلدان العربية التي سارت على مثاله·· حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من انهيار تجربة قدمت نفسها منقذاً للبشرية بأكملها ·· وما وصلنا إليه من تجارب عربية مريرة أبرزها النموذج العراقي الذي لم يتردد عن شن الحرب ضد جيرانه مرة تحت مسمى قادسية صدام وأخرى تحت مسمى الحق التاريخي في الكويت·· عدا عن مجزرة حلبجة التي لا يمكن إدراجها إلا تحت مسمى مواجهة خصوم الأمة!
الحوار ·· واحترام الخيارات:
وبالرغم من السلبيات التي يمكن رؤيتها لدى كل فرقة من هذه الفرق، إلا أن هناك إيجابيات يمكن أن نستلها كما نستل الشعرة من العجين، حيث يمكن للمركزية الشديدة في الحركة السياسية أن تحقق تقدماً كبيراً لاستقرار المجتمع أو إنجازات مادية أو القضاء المؤقت على التعصب القبلي وغيره، لكن سلبيات هذا الطغيان الفكري سرعان ما تبرز، وخاصة في المرحلة الراهنة من التاريخ الإنساني حيث العالم قرية صغيرة، وحيث ثورة المعلومات، وحيث لا يمكن إخفاء الفضائح والموبقات والمجازر والأفكار التي تتعارض والقيم الإنسانية التي باتت متعارفاً عليها، كالحقوق الأساسية للإنسان، وحق الفرد في الحياة والتفكير، ورفض كافة أشكال التمييز الديني أو المذهبي أو العرقي··الخ· لذلك فإن من الضروري الدخول في حوار مع هذه الفرق إذا قبلت الحوار·· وتفنيد الآراء (الخاطئة المتعارضة والمعايير الدولية الصائبة) التي يحملونها فكرياً وسياسياً ومجتمعياً·· والتأكيد على ضرورة احترام خيارات الإنسان في بلده أو على الصعيد العالمي، حيث أن هناك قوانين موضوعية تحكم الناس تمليها عليهم مصالحهم المشتركة ورغبتهم في البقاء والحياة الحرة الكريمة·· وحيث عانت البشرية الكثير من الحروب سواء الإقليمية أو العالمية (وستواصل البشرية معاناتها نتيجة الظلم الطبقي المفروض على كثرة من شعوب العالم الجنوبي بالدرجة الأساسية وخاصة في ظل القطب الواحد الذي يريد فرض سيطرته على بقية العالم تحت مسمى مكافحة الإرهاب)، فإن من الضروري تعرية الأفكار الخاطئة والتأكيد على الأفكار الصائبة التي تطور وتقدم المجتمع، والتي قد تكون صائبة في فترة ، لكنها ليست بالضرورة صائبة في فترة سابقة، ويجب تطويرها لمواكبة التطور ·· وبات واضحاً أن الحرية هي التي يجب التمسك بها، وتنمية قدرات الإنسان في بلادنا ليكون قادراً على التفكير المستقل ، وقادراً على مناقشة كافة ما يطرح عليه من معلومات وأفكار سياسية أو مجتمعية وبالتالي يسهم بدوره في صياغة مستقبل بلده·· ولذا فإن التأكيد على الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يجب أن يكون موجهاً ضد الأنظمة المستبدة وإنما أيضاً ضد التنظيمات والجماعات المستبدة أيضاً·· ويبدو بوضوح أننا في المنطقة العربية نعاني الكثير من الإرث التاريخي الذي يريد البعض التمسك الحرفي به، وعدم التطلع إلى المستقبل إلا بمنظار الماضي·
غرب:
ريتشارد رايت : سيد الخواتم ·· والأرض الوسطية
من ناحيته اعتبر ريتشارد رايت أن فكرة 'الحرب على الشر' هي أخطر فكرة في عصرنا الحاضر· واعتبر أن الصراع بين الخير والشر آخذ في العودة إلى صوره البدائية ·· واستخدم البروفيسور رايت رواية 'سيد الخواتم' للتدليل على وجهة نظره لما للقصة من إسقاطات على الواقع السياسي المعاصر·
يرى بروفيسور 'رايت' أن للشر خواص مطاطية· لدرجة أنه احتاج من هوليوود إلى ثلاثة أفلام سينمائية مطولة من رواية ' سيد الخواتم' حتى يتمكن المخرج من حصر الشر والقضاء عليه··! واعتبر 'رايت' أن حصر الشر في كائنات بعينها ·· فكرة خطيرة · فلا يمكن أن يكون الشر قاصراً على فئة من البشر دون الأخرى· فالشر ·· كالخير موجود في ذواتنا جميعاً· وما هي إلا مجموعة من العوامل والظروف التي تجعل كفة إحداهما تفيض على الأخرى· وسيد الخواتم التي استشهد بها ' رايت '·· ثلاثية روائية للكاتب 'جيه·ار·ار· تولكين'· تدور أحداثها في بلاد خيالية تدعى 'الأرض الوسطية' حول خاتم سحري يمنح صاحبه السلطة المطلقة والتحكم في مصائر الآخرين· وقد ظل هذا الخاتم يتنقل من يد إلي يد عبر العصور حيث أساء الجميع استخدامه إلى أن انتهى إلي يد فتى يدعي فرودو ينتمي إلي قوم يدعون 'الهوبيت'، يقضون حياتهم في اللهو البريء، دون أن يحملوا للدنيا هماً· لذلك شعر فرودو بواجب حمل الرسالة مهما كانت المخاطر التي سيتعرض لها خلال رحلته· والتي تتطلب منه الذهاب إلي بلاد 'مورودور' لكي يلقي بالخاتم هناك في 'جبل الهلال' حيث تم صنع الخاتم لأول مرة وحيث يمكن أن ينتهي شره إلي الأبد· فأصبحت الرواية تدور حول الهوبيت الصغير المنوط به إنقاذ الأرض· وهو ما وصفة بروفيسور 'رايت' بأنها سينما شديدة الإبهار تقدم سياسة شديدة الخبث·
ثلاثية الظلام:
وقال البروفيسور رايت أن منطق الشر الذي حاولت هذه الثلاثية تجسيده هو الفكر ذاته الذي يحصر الشر في قوة فردية ظلامية وحرب كونية للقضاء عليها· وكل الذين تصوروا ذلك فشلوا· حتى القديس أوجستين الذي تصور البعض أنه خلص العالم من الشر قبل قرن ونصف بعد أن ظل يجادل كثيراً حول نظرية الشر حتى اختفت من الممارسات الطقسية الكنسية ·· إلا أن الشر آنذاك لم يكن شيئا· بل كان يتمثل في غياب الخير· تماما كما أن الظلام يتمثل في غياب النور· ثم جاء البروتستانت ليعيدوا الصراع الكوني بين قوى الخير والشر· وفي القرن الثالث الميلادي انتشر المذهب المانوي الذي ينسب إلى ماني الفارسي صاحب عقيدة الصراع بين النور والظلام · والذي عمل على التوفيق بين المسيحية و الزرادشتية· وادعى أن للعالم مبدأين: أحدهما النور و هو مبدأ الخير والآخر الظلمة وهو مبدأ الشر· وكل مبدأ من هذين المبدأين مستقل عن الآخر ومنازع له· وأن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله ، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة حتى وإن لزم إزهاق كل نفس على الأرض·واقترح الفيلسوف بيتر سينجر في كتاب صدر له مؤخراً بعنوان ' رئيس الخير والشر ·· مبادئ جورج دبليو بوش ' ، أن الرئيس الأمريكي في حربه على الإرهاب يعكس مدى صعوبة التخلص من الشر مرة واحدة وإلى الأبد· فحين يكرر 'تيمة' الصراع الثنائي بين الخير والشر فإنه يضع الخير في جانب 'نحن' أي الأمريكيين ، بينما الشر في جانب 'هم ' أي غير الأمريكيين· وكأنه يشير إلى تلك المخلوقات الخرافية المرعبة التي تشبه الطيور أحيانا والفيلة أحيانا أخرى كما هي الدلالة المعاصرة لفيلم سيد الخواتم· ففي عشية توليه الرئاسة للفترة الأولى - ونحن في عصر الحداثة وفي زمن ما بعد الحرب الباردة - استخدم كلمة 'الأشرار' أو 'المارقين' بنبرة تهكمية إلا أنها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وجدناها تأخذ محملاً جدياً في صيغة تخليص العالم من الشر· وأعلن بعدها أن إيران والعراق وكوريا الشمالية هم جزء من محور الشر·
وتعجب البروفيسور ريتشارد رايت قائلاً : وما الخطأ في ذلك ؟· ولماذا أشعر دوماً بعدم الارتياح عندما يتحدث بوش عن الشر؟· لأنها ببساطة فكرة خطرة في ظل أجواء التداخل الجيوبوليتيكي للعالم، والمقصود به تأثير السلوك السياسي في تغيير الأبعاد الجغرافية للدول· ففكرة الصواب المطلق والخطأ المطلق ، أو الخير المطلق والشر المطلق فكرة مضللة· وبعض المحافظين يشعرون بتأنيب الضمير عند حديث بوش عن الشر ، وكأن الشر هِزة أخلاقية مفاجأة حدثت في البشرية·· رغم أنه قديم قدم الأزل· ورفض فكرة الحرب على الشر لا يعني رفض الأخلاقيات والخطأ والصواب وإنما رفض ربط الشر بمصدر فردي للأذى·
الرمز المطلق للشر:
ولكن العالم ليس بهذه السطحية· فماذا لو أن بعض الإرهابيين لن يرضوا لدمار الولايات المتحدة الأمريكية بديلا ، بينما البعض الآخر يقوم بعمليات من أجل مطالب قومية مثل الحال في الشيشان أو مينداناو·! فمعاملة الإرهابيين في كل أنحاء العالم بأسلوب واحد يجعلهم يبدون وكأنهم شيء واحد، وكأن لديهم جميعاً هدف واحد وقيادة واحدة وكأنهم جميعاً أعداء للولايات المتحدة الأمريكية· فماذا لو تم التعامل مع إيران والعراق وكوريا الشمالية على أساس أن كلا منها لديه مشكلة مختلفة· وأن رؤساء تلك الدول مهما فعلوا من سيئات لازالوا بشرا ويمكن أن يستجيبوا بدرجات متفاوتة إلى بواعث عادلة ومنطقية· فإذا كانت هذه الاحتمالات مفتوحة فيمكن لنا أن نشعر بالسعادة عندما نجد ديكتاتورا رهيبا مثل صدام حسين - تحت التهديد بالغزو- يذعن إلى قرار الأمم المتحدة ويسمح لمفتشي الأسلحة النووية بتفتيش بلاده· ولكن إذا كنا نؤمن بأن هذا الدكتاتور ليس سيئا فقط وإنما هو الشيطان الرمز المطلق للشر فلا بد أن قرار غزو بلاده سيتخذ على أية حال· فلا أحد يعقد صفقات مع الشيطان·
ويترتب على مبدأ اعتبار الإرهابيين شر مطلق ، أنه من غير المنتظر أن تسمع مطالبهم أو ينظر إلى حقوقهم المدنية أو يتم التعامل مع المعتقلين منهم بأساليب آدمية· لأن الشر يحتاج إلى سياسة محرقة· حتى لو أن هذه السياسة - التي جعلت الكثير من المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية يشعرون بأنهم مضطهدون- سينتج عنها المزيد من العنف والإرهاب؟!· لذا فإن تبني مثل هذه المبادئ الفلسفية لا يعني أن ننزلق في نظريات نسبية حول منطق الشر· فمن الممكن أن ننسب الأفعال السيئة إلى فئة من البشر لكنهم في النهاية يظلوا بشراً· فقد نؤمن بأن ثمة هناك بذرة شر في مكان ما من الطبيعة البشرية وإليها ترجع كل الأعمال السيئة· هذه البذرة تثمر بداخل البعض بقدر أكبر من البعض الآخر· فالشر موجود في طينة البشر جميعاً ولكن بدرجات متفاوتة· وهذا ما يقودنا إلى تحليل الأشرار أو 'المارقين' داخل بيئتهم المحلية، والتفرقة بين دوافع العمليات الإرهابية من مكان لآخر· ويقودنا أيضاً إلى إمعان النظر في قيمنا الإنسانية التي قد تحاط بغلاف من الأهواء الشخصية أو المصالح السياسية أو التوجهات الأيديولوجية· فإذا ما افترضنا أنك تسببت في اندلاع حرب نتج عنها مقتل عشرة آلاف شخص · فإن الطبيعة البشرية السوية تجبرك على أن تقف وتراجع نفسك وتحاسبها على ما فعلت، أما إذا كنت تعتقد أن الله اصطفاك لخدمة أهدافه وأنك معفي من اللوم ومنزه عن الخطأ فهذا ·· هو الفكر الخطر·!
سياسة فوق العادة واقصاء الآخرين
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©