28 سبتمبر 2011 22:15
هذا الكتاب “العادات والتقاليد التونسية” هو من تأليف المرحوم محمد بن عثمان الحشايشي وتحقيق الجيلاني بلحاج يحي، وهو يتناول عادات التونسيين وتقاليدهم في اوائل القرن العشرين ميلادي، والكتاب كما يقدمه الدكتور محمد اليعلاوي وزير الثقافة سابقا مفيد لغير التونسيين بما يقدمه من معلومات عن القطر التونسي من حيث التاريخ، والمناخ، والموارد وخصوصيات الجهات واختلاف التقاليد، مما تشترك فيه البلدان الإسلامية، أو تختص به تونس دون غيرها. والكتاب مفيد للتونسيين أولا وبالذات، إذ يعطيهم معلومات عن بلادهم هم يجهلونها إذا كانوا شبانا او كهولا بما انه يتناول فترة سابقة، او نساها من كانوا شيوخا طال بهم العمر.
وأهمية الكتاب تكمن في الحديث عن العادات الكثيرة المتنوعة في كافة مراحل حياة المواطن التونسي من الولادة إلى الوفاة، وعند كافة شرائح المجتمع من أهل البوادي والأرياف إلى سكان الحواضر والمدن، وحتى أهل السلطان من البايات (الملوك) الأتراك وخدمهم.
ولا يخلو وصف مؤلف الكتاب محمد الحشايشي للبلاد التونسية في مستهل القرن العشرين من مثالية واستحسان مفرط ونظرة ملائكية للاستعمار الفرنسي. ورغم ذلك فالكتاب يفيد المؤرخ بخاصة إذا يضبط التقسيم الإداري للمملكة التونسية (تونس كانت مملكة وأصبحت جمهورية عام 1957)، ويتبسط في ذكر القوانين، ويحلل بإسهاب الحالة السياسية والمناخ الاجتماعي والجوانب الاقتصادية ومستوى التعليم بأصنافه والعلاقة بين الأجناس المتعايشة بتونس، ويدعم المؤلف هذه المعلومات بالأرقام والجداول والقائمات كما يفعل اليوم المختصون في الإحصاءات وعلوم الاجتماع والسكن.
وإن التمسنا للمؤلف عذرا في إعجابه بالمستعمر الفرنسي كما يظهر ذلك جليا في كتابه فان ذلك، كما يؤكد الأستاذ محمد اليعلاوي عميد كلية الآداب سابقا، يعود ربما الى علاقته مع مسيو (روا) الأمين العام لحكومة الحماية الفرنسية بتونس، وقد فهمنا أنه كلف المؤلف بتصنيف هذا الكتاب لاطلاع الوافدين إلى تونس من الأوروبيين على عادات أهل البلد، وعلى النظم السياسية والإدارية، وعلى إمكانيات الارتزاق والاستثمار ـ أي الاستعمار في معناه المادي.
ويرى د. محمد اليعلاوي وهو باحث ومحقق في قيام مؤلف الكتاب محمد الحشايشي بهذا العمل “التعريفي” عيب ولا حرج، كما لا نعيب على وزارة السياحة اليوم أن تطبع الأدلة المصورة، وتحمض الأفلام الدعائية للإشادة بزرقة سماء تونس وصفاء بحارها وفخامة فنادقها.
وإنما عذر المؤلف محمد الحشايشي في جهله بحقيقة الاستعمار ـ كما يتجلى ذلك في كتابه ـ عدم توقعه لما ستؤول إليه هذه البشاشة عند الفرنسيين المستعمرين لتونس وهذه الطيبة، وهذا الميل إلى تقاليد الأهالي والتخلق بأخلاقهم كما ظن بعد عشرين عاما أو ثلاثين من الاحتلال، وما يتبعه من تركيز السلطة العسكرية والمدنية، وانتهاج لسياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلاحية، والاستيلاء على الثروات المنجمية، وإفناء الصناعات المحلية بتعويضها بمنتوج المعامل الأوروبية والسعي إلى التفقير المنظم الذي سيحول تونس إلى مستعمرة، مع أن معاهدة دخول فرنسا الى تونس نصت على أنها حماية لا غير.
ان المؤلف محمدالحشايشي كما يبدو في كتابه منبهرا بالحضارة الفرنسية فطفق يشيد بعدالتهم وتربيتهم وتقدمهم في الصناعات والفنون والاقتصاد والآداب ومنّى النفس بأن كل هذه المحاسن صائرة في بلاده تونس، فغض الطرف على كل منقصة، وعين الرضى عن كل عيب كليلة...
وكان الكتاب يكون أمتع ـ وفق قراءة نقدية للدكتور محمد اليعلاوي ـ لو ترك المؤلف محمد الحشايشي طريقة العرض الجاف، فأورد لنا في مؤلفه بعض النوادر والطرف، والتجارب الشخصية التي تقوم شاهدا على ما يعرضه ويفسره وترفه على القارئ، ولكن هذه الإشارات وهذه التعاليق قليلة، لا تعدو الذكريات الخاطفة عن صباه وإصابته بمرض الجدري مثلا أو اعترافه بأنه كان يهوى جمع التحف الأثرية، فيتزلف بها لذوي الجاه قبل أن تضع السلطة الفرنسية يدها على أطلال البونيقيين والرومان.
ولعل صفة الكاتب الإداري، أي موظف المخزن أو الحماية، غلبت عند المؤلف محمد الحشياشي صفة الكاتب الماهر أو المؤرخ اللبق فجاء كتابه نافعا مفيدا وكنا نود أن يكون أيضا طريفا ممتعا.
جاء في الكتاب ان صناعة وتهذيب الأوراق والكتب كانت في تونس في أوائل القرن العشرين من اجل الصنائع المستظرفة، ولقد اعتنى بها أعيان من أهل تونس من النساخين وغيره، وهي من الصناعات المختصة بالأعيان، فزينوا الكتب وحلوها بأشكال من النوار العجيب بمحلول الذهب الخالص، وما احتوت عليه الزينة من تلك الأشكال المخترعة التي تعجز عنها أنامل أهل أوروبا المتسظرفين. ومن نظر إلى بعض الكتب الموجودة من هذا النوع بخزائن الجامع الأعظم (جامع الزيتونة المعمور) اندهش فكره وتحير لبه.
الكتاب: العادات والتقاليد التونسية/ الهدية أو الفوائد العلمية في العادات التونسية
المؤلف: محمد بن عثمان الحشايشي
دراسة وتحقيق: الجيلاني بن الحاج يحي
الناشر: دار سراس للنشر