في الشارقة ترفل الثقافة بثوب التألق والفرح، ويسعد المثقفون بنسائم تحمل في طياتها أحلى الأيام والأحلام، ومن يحضر هذا العرس، من يشاهد الوجوه الباسمة، من يجول بين جداول دور النشر، يشعر بأن الحياة وإنْ اكتظت بجحافل العنف في أماكن متفرقة من هذا العالم، فالإمارات تغيِّر المعادلات، وتدحض جحافل الشر بأوراق كتاب يحمل بين الثنايا والمعاني، حلم أجيال ستمر من هنا ذات يوم، وستعبر المحيط، محيط الحكاية، وتقرأ عن وطن استطاع رغم العبث الوجودي الذي تشعل نيرانه قوى الشر، أن يتسرب من بين الجموع كالسائل السحري، ليصل إلى الذاكرة الإنسانية، ويدق أجراس الخطر، محذراً من أن الحياة لن تنبت لها أوراق، ما لم يتخلَ العالم عن الجفاف العاطفي، ما لم يرفع يده عن زناد الموت، ليبني للفرح بيتاً من أوراق كتاب، يتحدث عن الحياة، عن الحب، عن الوفاء، يتحدث عن رفض العنجهية والمكابرة، ومنع جذور الأنانية من التمدد والتجذر في تراب المشاعر البشرية، نعم، فكل تجذر إثني وديني مبرر، ولكن يجب أن يصاحبه تجذر في الحب الإنساني، والتسامح مع الآخر.
فالحضارات أشجار لا تنمو على تربة مالحة، كما لا تترعرع تحت أجواء ملوثة بغبار الكراهية، الحضارات لها عيون ترى، فإذا غثها دخان الحقد، عميت، وانطمست، وغاصت في أتون العدمية، الحضارات لها آذان، فإذا امتلأت فضاءات الأرض بهدير المقاتلات أصيبت بالصمم، والحضارات لها قلب، فإذا رأت ما رأت من دماء تسفك، وأرواح تزهق، ونساء تثكل، وأطفال يغيبون تحت ركام سكناه، فإنها تصاب بسكتة القلب.
اليوم في الإمارات، تتخذ الثقافة موقفاً صارماً وحاسماً من لعبة الأمم، وتعتمد ثقافة السلام حاجة وجودية، ومطلباً حضارياً لا مجال للتفريط به، ولا مكان لمشاعر غير مشاعر السلام.
أطفالنا، ونساؤنا، ورجالنا، الجميع اليوم ينهلون من ثقافة، (السلام عليكم، وعليكم السلام)، عبارة سكنت في التاريخ، كما استوطنت الضمير الوطني، وهي اليوم تبلغ مبلغاً واسعاً، كما هو المدى، كما هو المحيط في وجدان الزعانف، وكما هي الصحراء في قلب الإنسان الإماراتي.
عندما نكون في حضرة الكتاب، سواء في معرض أبوظبي للكتاب، أو معرض الشارقة، نشعر أننا بين رموش الحياة، وعند هامات النجوم، نشعر بأن الحياة تبدأ من هنا، من الإمارات، وأنها جينة الوجود الصافي، ولا لبثور أو بذور ضنك أو كدر، لأن الثقافة هنا قائمة على سنام وصهوة، وهي في المعنى ثقافة الصحراء التي نبتت منها نخلة الخير، وغافة الوفاء. وفي المجمل، فإن ثقافة الإمارات، هي من نبع زايد، ومن مناهله السخية، وفي سمته، طيب الله ثراه، الثقافة رواية تحكي قصة المكان، وما دار في خلد الإنسان، الثقافة قصيدة مجللة بجملة تسكن في ضلوعها، محبة الإنسان للإنسان، وعشق الشجرة، ومصاحبة الطير برفق وود.
ثقافة الإمارات، هي السمة بالغة النضج في ضمير المخلوقات، وهي الوردة البرية التي تعطي شذاها من دون تصنيف أو اصطفاف، وهي نخلة العمر، تهب لمن يحتاج العطاء، عناقيد الفرح، تهبه قلائد السعادة، بسخاء ووفاء.
هذه الثقافة نلمسها اليوم مكرسة في مهرجاناتنا الثقافية الممثلة بمعارض الكتب، وتتجسد هذه الثقافة السائلة في حلول الطيور من كل جهات العالم، ليس بوصفهم ضيوفاً، وإنما أضلاع شكل هندسي، يكمل رياضة العقل، وهو يسير في محيط ثقافة آمنت بأن الحياة للجميع، والموت للكراهية والحقد.