بشارة الرطب الجميلة دائماً تحضر عند أول إطلالة، وبدء الحرارة في الارتفاع، وصفاء البحر وسكونه الطويل، روعة السباحة في البحر أو حتى برك الأحواض والمسابح في بساتين النخيل، وهي الأجمل والأروع دائماً عند ناس الإمارات القدامى، بل إن الرحال تشد له من الساحل إلى الداخل، العين والمناطق الشرقية الزراعية وصولاً إلى مناطق الباطنة في عُمان، كل هذا الحضور والانتقال من الساحل إلى الداخل، من أجل الرطب والماء و«الهمبا»، أي المانجو، وهروباً من رطوبة البحر. هذا ما يحصل دائماً، أما الآن فإن البشارة وبدء القيظ والرطب، تصل إلى مدن الساحل، ربما أسرع حتى من انتشارها في مدن وقرى الداخل، حيث إن ثمن هذا الرطب الجميل في البدء، يكون مربحاً للمزارعين وأصحاب النخيل الذين يشتغلون على تجارة الرطب، أسعار بشارة الرطب عند أول قطفة منه، لا تصدق، وهي ثروة ومكسب كبير لصاحبها، ولا أجمل وأروع من تذوق الرطب في أول نضجه وحضوره البهي والجميل عند أهل الخليج، عشق وإرث طويل في حب هذه الفاكهة أو الثمار، يأتي من حب النخلة وثمارها. ويرتبط حضور موسم الرطب بأن كل شيء يميل إلى الهدوء والسكون، لا رياح قوية ولا أمواج عالية، فقط جمال وصفاء البحر، لا غيوم ولا أمطار تملأ الطرقات والشوارع بالماء، وحدها الحرارة والرطوبة، تنفرد بالمكان وتصليه لهيباً وحراً يرتفع بالتدريج، وكأن الطبيعة تعمل على مساعدة كل أنواع النخيل على أن تطرح رطبها وعلى امتداد موسم القيظ، كل نوع من أنواع النخيل له وقته وزمنه في تقديم هدية القيظ من الرطب.
فصل رائع في تنوع الثمار والعطايا والخير، بدءاً من الرطب وانتهاء بالمنتجات الزراعية الأخرى، إنه فصل الرطب والفواكه والحمضيات، هذة الفترة الجميلة من الأوقات الرائعة في الإمارات، كذلك البحر يعطي أفضل أسماكه وتنوعها، لكل فصل وموسم خصوصية وأهمية، تقدم الفائدة للناس ويفرح بها الجميع، قد تكون قاسية في أجزاء من الحياة اليومية، مثل الحر أو الرطوبة أو حتى البرودة في المواسم الأخرى، ولكنها جميلة في حضورها، ويمكن للإنسان أن يتكيف مع بيئته بالطرق المناسبة والتي ورثها من أسلافه، كل شيء يحضر ويرحل، ثم تتمنى عودته، وقد تضجر منه في بعض الأوقات والأيام، ولكن، تحن إليه بعد الغياب!
هذا هو البدء في إشارات القيظ، كم نحن فرحين بهذه البشارة والتي تبدأ بالرطب، بعد فترة سوف نضجر ونتمنى رحيل القيظ، ثم نعود ونَحِنُّ إلى أوقاته وخيراته، هذا التناغم بين الحب والضجر، والفرح القصير، ثم انتظار الرحيل، هي جمالية الحياة وروعتها، والطبيعة البشرية في تفاعلها مع البيئة والمحيط، حب ثم ضجر، غياب ورحيل ثم انتظار العودة.
لا شيء يوازي فهم البيئة وحبها وقبولها بكل الظروف والمتغيرات، إنه الوطن الساكن في الأعماق، تقبله بكل ظروفه، تفرح لفرحه وتعمل على أن يظل على طبيعته وحضوره الجميل في كل أحواله، من يعشق أرضه وبيئته، يكون أكثر توافقاً وحباً لكل شيء فيه.
فمرحباً بمواسم القيظ وبشارة الرطب.. مرحباً بالجمال والخيرات.


