قبل ثمانية أشهر وتسعة أيام وعشر ساعات ولد عبدالله، أسمرَ ذا غمازة ذقن طالما تمنيتها في الأحفاد، فسبقهم بواحدة تزيده جاذبية ووسامة. عندما اجتمعت العائلة جاء الصغير محمولاً على «حيبة» إحدى الفتيات، وما إن رآني حتى رمى يديه في الهواء المطلق وهو يطلب مني أن أحمله، وكأني المهب (الريح) الذي سيحلق به في سماء الخيال والطفولة. تلك اللحظة «تسوى الدنيا وما فيها»، هل هو الشوق أم التوق أم طوق النجاة؟ هذه اللحظات تعكس أشياء في داخله تتجاوب مع أشياء في داخلي..لا أكذب عليكم بأن لحظات الأهل تعبر عن كبسولة الزمان لأني في حضرتهم أعيش الماضي وأترقب المستقبل، وقبل أن نفترق أدعو الله أن يجمعنا على المودة ولا يفرق بيننا، وألا يحرمني منهم، فهم الروح التي بها تحلو الحياة.
***
عادت سمية إلى منزلها بعد رحلة تبضع قضتها في مخازن التنزيلات ومحلات خياطة العبي. بعد لحظاتٍ من عودتها رن جرس الرسائل النصية على هاتفها «لقد ارتكبت مخالفة..». اعتفس واختسف عليها يومها، فقد كانت تلك الرحلة للتوفير لا لزيادة المصروفات والإنفاق، لا سيما لكون تلك المشتريات لعوائل تكافح الزمن والأقدار. يوم عداها بالوراء باكر سرحت تبى المرور، استقبلها في خدمة إسعاد المتعاملين وكبار المواطنين شاب اسمه عبدالله. طلب منها الجلوس، وسألته ما هذه المخالفة؟ التي ستستولي ما تبقى من راتبي التقاعدي. غاب عنها وقد حمل الوثائق بين يديه يطمئنها كلما مر بها، ويؤكد لها بعبارة يتداولها الشباب «الأمور طيبة»، عندما رفع أذان الظهر عاد عبدالله معتذراً على التأخير وشرح لسمية طبيعة الأمر، فانفرجت أساريرها وأُنجزت المعاملة بمهنية عالية. لقد تركت معاملة ذلك الشاب في نفسها انطباعاً لا يوصف، فهي تتحدث عنه وعن أخلاقه وما قدمه لها من خدمة استثنائية، وتدعو الله له ولوالديه اللذين أحسنا التربية. فقالت لي: «عاشة، الدنيا بخير يوم فيها شباب شرات عبدالله، الله يحفظه لأهله ويكرمه ويرفعه درجات».
***
للعارفين أقول، سيتربى عبدالله الصغير كما تربينا في بيتٍ يحترم الإنسانية ويقبل الآخرين بكل ما لديهم من ظروفٍ، فلا نسقط الأحكام والوصمات عليهم، بل نحتويهم ونتفهم مواقفهم من الحياة. في السوق كان بالخير (والدي) يبادر بالسلام على جميع الناس ويناديهم «عمي»، كنت أعتقد أن هناك صلة دم تربطنا بهم جميعاً، وعندما اكتشفت بأنه يرفع قدرهم، حيث يود أن يراهم، أيقنت بأن تربيتنا في مجتمع الإمارات بها من الإنسانية ما يفوق التوقعات. وكان يقول لنا: «حشموا عماركم لأن الأدب أي الأخلاق أطول منكم عمراً».