رحل من زمن بعيد ذلك الرجل الغزاوي، والذي يحمل البحر في كف وغزة في القلب والوجدان.. كان يتحدث دائماً عن بحر غزة وعن الصيد وأسماك لا نعرف أسماءها، حيث تختلف المسميات عن أسماك الخليج العربي.. بعد أن ننصب المخيم الكشفي، وكلٌ يقدم فكرته وطريقته في إعداد المخيم والركن الذي يعود إليه، فتيان الكشافة للاستراحة في مخيمهم الصغير وركنهم الخاص، حيث السمر حول أباريق الشاي أو القهوة، كان صالح، ذلك القائد والمربي الغزاوي له طريقته الخاصة في إعداد مكان استراحته أو مخيمه الصغير، ولعله صاحب خبرة كبيرة في إعداد المخيمات، كان اللافت لنا نحن أبناء البحر، بأنه المنافس الأكبر في معرفة شؤون البحر والشباك، لم نكن وقتها نعرف الكثير عن جغرافية غزة، ولا نظن أن هناك أيضاً بحارة مهرة، كان صالح يحضر شباكاً قديمة ويسور بها مخيمه، ويعلق الكثير من نماذج الأسماك وصورها، بحيث تشعر أنك في محيط بحري، بالإضافة إلى تزيين المكان بالنماذج البحرية، وعلى الخصوص مقود المراكب أو الزوارق.. صالح لديه دفة (سكان) سفينة يحضره معه على مدى سنين طويلة.. لعله يرمز إلى بلده (غزة) وبحرها.
صالح رجل عريض القامة والبنية، وعلى الرغم من سنه المتقدم، إلا أنه قوي العزيمة، مربٍ فاضل، يحب العمل التطوعي والاجتماعي والكشفي كثيراً، لا يغيب أبداً عن المخيمات والتجمعات الكشفية، بل هو وفرقته التي تحضر من مدينة أبوظبي، شعلة نشاط المخيمات والتجمعات الشبابية الكبيرة.. دائماً حديثه عن بحر غزة وصفاء ذلك البحر الأزرق الجميل، لم نكن في ذلك الزمن البعيد نعرف الكثير عن بلدته/ عشقه الأبدي، يحدثنا عن البحر والصيد وعن الإبحار، كانت غزة وقتها تعيش في سلام ولم تصل إليها الحروب والمآسي أو الكوارث، كانت منطقة آمنة وبعيدة عن ما كان يحصل في فلسطين وقتها.. عرفنا أخوة آخرين أيضاً من المكان نفسه، رجالاً قدموا كل العطاء والجهد للشبيبة والأنشطة الاجتماعية والكشفية، وبعضهم مازال يعطي على الرغم من تقدم العمر والسنين.. فكرة صالح الغزاوي العاشق لبحر غزة، فريدة وجميلة، وهي أن تظل الذاكرة معه عبر نماذج وطرق الصيد وصور البحر والشباك التي يحملها معه، أينما نصب خيمته على مدى سنين طويلة، وفي جميع المخيمات والتجمعات الكشفية والشبابية، كانت النماذج والصور والأدوات البحرية نفسها ترافقه، ينام في حضن الشباك، ويصحو على مناظر مستوحاة من البحر، عندما نقول له، ما هذا الحب والتمسك بهذه الفكرة المكررة على مدى هذا الزمن الطويل، كان يرد بأنها تذكره في غزة وبحرها.. رحل مع حلمه وشباكه وآماله، وربما كانت رحمة من الله، بألا يشاهد ما تعانيه محبوبته غزة الآن من عذابات وفقر وحروب وخراب.. دائماً يرأف الله بالقلوب المحبة والصافية، بأن ترحل مع همها، الذي تآلفت معه، وعرفته وتكيفت مع آلامه وأحزانه، محبوبة صالح تعاني الآن ولكن سوف يعود البحر يوماً صافياً وأزرق وجميلاً، وتعود المراكب إلى الإبحار، لأن الهم والحزن لا يدوم، هكذا تقول صيرورة الحياة وتعاقب الأيام والأزمنة.