مع استمرار الحرب الدائرة حالياً في المنطقة، وتواصل الاعتداءات الإيرانية السافرة على بلادنا وشقيقاتها في دول مجلس التعاون الخليجي، اتجه فاقدو البوصلة وأصحاب المغامرات الخائبة في طهران إلى التلويح بورقة يعتقدون أنَّها ستكون الحاسمة: إغلاق مضيق هرمز وتلغيم ممراته، كما يجري الترويج لذلك أيضاً في بعض الدوائر الغربية، بما يذكّرنا بالأجواء التي سادت خلال ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب الإيرانية العراقية.
نحمدُ الله ونفخر ونعتز في الإمارات بالجاهزية العالية، وبالفكر والتخطيط الاستباقي والاستراتيجي، الذي عمل مبكراً على التعامل مع مثل هذه الأحوال والتحديات، من خلال توفير البدائل الكفيلة بالحد من تأثيراتها وتداعياتها.
ومما يحز في النفس تعامل الدول الكبرى مع هذه التهديدات من زاوية ضيقة تتعلق بالنفط والطاقة، دون النظر إلى الصورة الأشمل لما تنطوي عليه تلك التهديدات، خاصة أنها تمس بصورة مباشرة أُسس النظام الدولي، الذي تسعى إيران إلى إظهاره عاجزاً، بما يسمح بسيادة منطق الفوضويين وأصحاب المغامرات الهوجاء، الذين يتصورون أنهم قادرون على التحكم في واحد من أهم الممرات العالمية، حيث يمر عبره أكثر من 20% من إمدادات الطاقة في العالم.
إن الدعوات الإماراتية المتواصلة لخفض التصعيد في منطقتنا وتبنّي الحوار والوسائل الدبلوماسية لمعالجة الأوضاع السائدة، تمثّل صوت الحكمة ونهج الاعتدال، الذي تمضي عليه الإمارات، رغم استمرار الاعتداء الإيراني السافر على أراضيها، والذي امتدّ كذلك إلى بعثتها الدبلوماسية في كردستان العراق. ويمثل ذلك صورة من صور الفوضى والعبث الإيراني، الذي بلغ حدّ ترهيب العالم بإغلاق مضيق هرمز. وفي ذلك ليس فقط رسالة بفشل العالم في حماية مصالحه وقدرته على ردع المتهورين والمغامرين، بل أيضاً تشجيعاً لبعض الأنظمة والميليشيات المارقة على ممارسة السلوك العدواني نفسه والبلطجة السياسية، مستغلة هذا الوضع المأزوم وغياب الرد والموقف الرادع.
ترك إيران تواصل اعتداءاتها وتعريض الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي للخطر لا يؤثر في منطقتنا الخليجية فقط -كما يعتقد البعض- بل يمسّ كل إنسان على هذا الكوكب بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهي تمارس فريتها المعتادة، بأنها تستهدف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، بينما تقصف أعياناً ومطارات ومنشآت مدنية ودوراً سكنية. ويمتدّ اعتداؤها إلى ممر مائي حيوي هو في الواقع شريان للحياة، وليس مجرد معبر لإمدادات الطاقة والصادرات النفطية.
العالم اليوم أمام اختبار حقيقي لا يقبل السكوت أو البقاء في المناطق الرمادية، وهو يرى النظام الدولي يتعرض للابتزاز من جانب حفنة من المغامرين في طهران، ممن لا يدركون أن الحرائق التي أشعلوها ستحرقهم أيضاً. وبالتالي، على النظام الدولي حماية مصداقيته وقدرته على الردع قبل فوات الأوان.


