جميلة صورة ذلك الرجل العجوز، له جسد نحيل، وملابس بسيطة جداً، إزار وقميص ترك بحرية تحركه الريح، له وجه مستطيل وشعيرات طويلة تتدلى من ذقنه، الذي يدلك على أن هذا العجوز من شرق آسيا، من دون ريب لم ترعبه القنابل ولا الأسلحة الفتاكة ولا أزيز الطائرات. يتبعه رجال نحيلو الأجساد، ولكنهم سهام وبروق تلمع هنا وتظهر هناك، حيث الغابات والخنادق والجبال والأحراش والأنهار. كان وحده الصاعقة وهيكل الرعب الذي تخشاه القوات المعادية التي جاءت من خلف البحار. يكفي أن يرفع كفه للسماء والمطر والعواصف، ليأتي الجحيم من حيث لا يعرف الغزاة.
 قائد عظيم خلده التاريخ، رحل بعد أن أشرقت الشمس، انه «هو تشي منه» الفيتنامي الذي أنجبته الأرض الطيبة التي أُحرقت ودمرت، ولكن لم يهزم أو يخضع الرأس للغزاة، ظل القائد «هو تشي منه» رمزاً للحرية والانعتاق من كل صناع الخراب، بل ظلّت سيرته رواية وحكاية تطوف العالم وتسكن في عقول وقلب وروح كل من يعشق الحرية والحياة، ولا يرى غير الشمس والقمر والنجوم. في رواية الكاتب جراهام جرين (الأميركي الهادئ) التي تدور أحداثها في فيتنام، والتي تحولت إلى أعمال عدة في السينما، حيث تطرق أبواباً أخرى غير الحرب والقتال، وتنحو باتجاه معاني الحب والبراءة والأخلاق، وهي صورة أخرى للفيتنامي البسيط والحياة العادية، وظروف الحياة الاجتماعية وتأثيرها القوي على المرأة، وما صنعه تعاقب الغزاة وتأثير الحياة التي جلبوها معهم. وعلى الرغم من صورة التفسخ في أجزاء المدينة وصنع ما يناسب هؤلاء القادمين من البعيد والمختلفين عن حياة الشرق، إلا أنه هناك في أحراش فيتنام والغابات والجبال والقرى البعيدة، كان ثمة رجال يوقدون النار والعواصف، ويحلمون أن تُطهر المدن. تناقض الحياة في مدن الشرق القديمة بين كفاح لا يعرف الانطفاء والهزيمة، وتفكك الحياة الاجتماعية وتفسخها في المدن التي صنعها من سعى إلى ذلك حتى يسهل إخضاعها، تدور الحياة دورة كبيرة ولا يصح دائماً إلا الصحيح في نهاية الأمر.
 رواية جراهام جرين، جميلة وأسلوب رائع في سبك الأحداث. رواية تبتعد عن الحروب والقتال في صورته البشعة، وتضيء على الحب والبراءة والأخلاق، وحياة المدينة، حتى في ظل هذه التوترات. نعم قد يولد الحب في زمن الحرب، هذا ما تقوله الرواية، حيث بدأت شرارة حب بين (بايل) الأميركي و(فونج) الفيتنامية. لا شيء كبيراً على الحب.. وهناك حكايات كثيرة تؤكد هذا المعنى في التاريخ. نعم الحب لا يعترف بالحرب.