من يطرق النافذة في هذا المساء البارد؟، من يقطع اندماجي في القراءة والمراجعة والمذاكرة العميقة؟، غداً الاختبار الصعب.. الامتحانات على الأبواب، وآمل تجاوز المرحلة النهائية، لختام أعوام طويلة من التعب والجهد والدراسة.. هو الحاضر دائماً.. في أمسيات أم سقيم القديمة، تخف الحركة مساءً في ذلك الزمن البعيد، هدوء تام بعد أن يرحل الليل قليلاً ويخيّم الظلام.. هذه النقرات على نافذة غرفتي المنزوية، لم أعرفها أبداً، ولم أعتد أن يخرج أحد من داره في مثل هذا المساء ليطرق النافدة.. الليل الجميع فيه خاتل في داره ويشعل دفء الوقت، في هذا الحي القديم.. لم تتوقف النقرات، بل ازدادت إصراراً على أن أفتح النافذة، مع صرير الشباك القديم، جاء صوته البحري هادراً، لم أتعجب كثيراً، فهي عادة هذا الصديق، أن يملأ المكان ضجيجاً، إنه إرث البحّارة، وعادة أن تكون أصواتهم عالية دائماً، وطريقتهم الهجومية، كمدخل لبدء الحديث، وكأن الموج يخرج من حناجرهم.. خير من يعطي صورة قوية وواضحة لجمالية الروح المحبة والأخوة عند أهل البحر، هؤلاء الناس يغسل صدورهم هذا الأزرق الواسع الجميل.. بادرته خيراً ما الذي جاء بك في هذا المساء؟،.. لقد وجدت أن نذاكر مادة الاختبار معاً، مع بعض، أجد أنها أكثر فائدة من المذاكرة الفردية، قال هذا وهو يخطو ويختار مكان جلوسه، وأردف يشرح طريقة وصوله إلى منزلي، قطعت الطريق سيراً على الأقدام، وعن طريق سيف البحر الهادي الجميل.. البحر دائماً جميل ما الجديد؟، والسيف رائع للمسيرة دائماً وأبداً بالتأكيد!... أنهينا الحديث وبدأ عبيد في القراءة والمراجعة، وكذلك انشغلت مثله في المراجعة، ثم تبادلنا المناقشة في مادة الامتحان، والذي سوف نقدمه غداً.. كان هذا في الزمن البعيد جداً.. اليوم ومنذ الصباح الباكر، وأنا أستعد للخروج لعمل ضروري وإنجازه.
جاء صوت عبيد الصديق القديم.. قال.. تعالَ لديّ عرض لك، ومن الضروري حضورك، أنا على شاطئ البحر، والذي لا يبعد عن مساكننا سوى مسافة قصيرة.. فاجأني، بأنه يركب قارباً صغيراً جداً، له محرك صغير جداً أيضاً.. أصرّ أن أركب معه وأن نذهب لمعاينة أماكن صيده وسحب (القراقير) من البحر وإخراج السمك، لم ينفع اعتذاري معه ولا الانفكاك من ضجيجه وإصراره واستخدام أساليب أهل البحر وعزيمة البحارة، ولم أجد بداً غير الذهاب معه.. وضعني في زاوية لا تنفع معها الأعذار، حتى وأنا بملابس الخروج لزيارة مكتب وإنجاز عمل، وليس ركوب قارب وركوب البحر... حلّق القارب بنا وكأنه حشرة اليعسوب (أبو بشير) يرف بجناحيه فوق البحر، كان صوت المحرك خفيفاً جداً كمروحة الهواء القديمة.. أخرجنا من كل (قرقور) قفص الصيد، سمكة أو اثنتين، والعجيب أن كلها صغار الهامور (بالول).. بعد الرحلة العجيبة والمفاجئة التي صنعها الصديق العزيز عبيد، عُدت إلى منزلي وأنا أحمل سمكة هامور صغير (بالول).. واحتجت أن أسبح مرة أخرى وأن أبدّل كل ملابسي، وبالكاد وصلت إلى الغاية التي خرجت صباحاً من أجلها.. بعض الناس، لا يغيرهم الزمن، تماماً مثل الذهب.


