سألتني صديقة كانت في زيارة عابرة لي عن سبب عدم اهتمامي بالمشاركة في الأمسيات الشعرية والثقافية التي تُقام على مدار الأعوام. فهل أنتِ عازفة عن الشهرة، أوأنكِ بخيلة بشِعرك، أو متعجرفة؟ أوقعني السؤال في الدهشة والحرج، فإذا كنتُ أعرف عن نفسي كما يعرف الكثير من الأصدقاء المقربين أنني لا أتصف بالرذيلتين: البخل والعجرفة، إلا أن الشهرة لا تغريني كثيراً، ولا ميل لي في بذل الجهد والسعي لاكتسابها. أما بالنسبة للمشاركات في الأمسيات الشعرية، فإنني أُلبِّي حين أُدعى، إذا كانت الدعوة والمناسبة والمكان تعنيني بالمحبة وتغريني بالكشف. لكني لا أسعى قصداً إلى اقتحام الجموع قسراً، من أجل أن أُعرَف أو يُستدلَ عليّ أو أُمنح شهادة اعتراف بشعريتي. فالشهرة عموماً لا تعنيني، ولا تغريني، ولا أسعى إلى اكتسابها، ولا صبوة لي في الإعلان عن وجودي في هذا المكان أو ذاك. ذلك أني أكتب قصيدتي في الهدوء والعزلة، وبمثل هذا الهدوء تمضي لتلتقي بالآخرين، برغبة أكيدة وأمنية أن أدلهم عليهم، وليس عليَّ. ثم إنني تعبتُ من ضجّة الخارج كما تعبتُ من الأنشطة التي في أغلبها لا تضيف لي ولا تثريني وربما تفعل غير ذلك. إن قراءة كتاب قيِّم ورعاية بذرة تشقّ عتمة الطين بشوق الحياة، وتأمل أولادي الثلاثة وهم يرتقون مدارج العمر والعلم والإدراك أثْمَن عندي من الارتماء في ضجّة الخارج، ومن التهافت على المعرفة التي استفحل فيها طنين الإعلانات. ولأني أتذكر دائماً نصاً جميلاً للشاعر الكوني «والت ويتمان» وتمثّلته حين وجدتُ فيه تعبيراً عن أشواق روحي ونظرتي لذاتي وللشِّعر والزمن وللآخرين. يقول ويتمان في قصيدته أغنية نفسي: ((أنا موجود، كما أنا/ وهذا يكفي/ حتى لو لم يعلم بي أي امرئ في العالم فسأجلس رضياً/ ولو علم بي كل امرئ، فسأجلس رضياً، فثمة عالم واحد كبير يعلم بي، هو نفسي، وسواء بلغت منزلتي اليوم، أو بعد ألف عام أو عشرة أعوام، فإنني أستطيع أن آخذها فرحاً الآن، وبالفرح نفسه أستطيع أن أنتظر. وأعرف سعة الزمن.))، بهذا النص تكون عزلتي أكثر رحابة، وانشغالي بالشِّعر والقراءة وأبنائي وحديقتي وهواياتي، أكثر ثراء، وأدعى للبهجة وغبطة الإحساس العميق بالوجود وطاقة الأمل. ففي الشُّهرة كثير مما لا يُغريني، وفي التأمل في هدأة النفس، والعزلة في «المرقاب» القصي والمجهول، كثير من ثراء الداخل والخارج معاً. لأني لا أكتب الشِّعر كي أبلغ المجد أو أنتشر في صفحة الإعلام، أكتب كي أضيء.. كذا الشعاع، ينسلُّ خلسةً ليمحو الظلام!


