تلك النخلة، هزت المشاعر جذعها، فتحركت الدماء تحت الجلد، تحركت الجداول التي شقتها إرادة قائد ملهم، حمل رسالة الوجود بقلب كأنه الكتاب المفتوح، وسار في دروب الحقيقة يبحث عن نبتة خضراء تملأ جعبة الصحراء، باخضرار يمحو صفار الرمال الحارقة، سار وفي مهجته يسكن وطن، ومواطن يمشي بين الرموش، يعلق آماله على قائد نذر نفسه معيار عدالة وقاموس أبجدية لحياة، كان واثقاً بأنها سوف تنفتح دروبها على خير الأرض، وسوف تتحول الصحراء القاحلة، إلى جنان خضراء، يؤمها الطير، ويرفع النشيد على أغصان أشجارها طروباً، والإنسان ذلك الترنيمة على سفوح، وقمم، ذلك النغمة المتأصلة بين قيثارة بدوي، ورحلة الركاب الشاهقات، اليافعات، السابحات على بحار الرمل، تبغي العبور، وتهوى رائحة الغاف في مواسمه الرخية، هنا في هذه اللوحة الفنية، لقناة تحمل في طياتها عذب الرشفات، وحلو المذاق، هنا الصورة تبدو ببلاغة الجملة المعرفية لحلم قائد سدد النظرات باتجاه الأفق، وآمن بأن الخير قادم، مادام في الحياة أمل، وعلى الأرض تسمق نخلة الوفاء، على الأرض تتدلى عناقيد اللذة، من وحي تراب أبي، فرغم اللظى تتوهج الأرض بأحلام النخلة الرضية، وانتماء الإنسان الوفي.
زايد الخير، طيب الله ثراه، أرخ للأرض، والإنسان تاريخ نمو وازدهار، ووضع لبنات التطور، عند كل تلة، وصخرة، وعند كل واد، ونخلة، لأنه آمن بأن الرجال هم الذين يحققون مجدهم، والرجال هم الذين يرفعون صوت المصانع، والرجال هم الذين ينعشون الحياة، بجهودهم المخلصة، وأعمالهم الصادقة.
في هذه اللوحة التي أمامنا، تبرز الصورة، مدى حب زايد الخير للشجرة، ممثلة بالنخلة، لأنها منبع الخير، ورافد الحياة الأهم، بالنسبة للإنسان الإماراتي، وهي النخلة التي أنجبت تحتها السيدة العذراء نبي الله عيسى بن مريم، وهذه القداسة التي تتمتع بها النخلة، جعلت من الإنسان الإماراتي يجعلها، الشجرة الخالدة، التي تنجب أحلامه الزاهية، وتطلعاته إلى ظلال، تحمي رأسه من حماقة الصيف، ورجفة الشتاء.
لهذا السبب فعندما نقف أمام النخلة، فمن الصعوبة أن نعثر على وصف يلائمها في معجم اللغة، ولأنها فقط النخلة، فهي الاسم خارج الأوصاف، وبعيداً عن المسميات المعتادة، لأنها النخلة فهي الخلود في حد ذاته، وهي البلاغة في محسناتها البديعية، وهي الأغنية بأنغامها الفريدة، وهي النشيد على لسان الطير، لهذا السبب عشقها زايد الخير، واستلهم من خيراتها، فضيلة العطاء، فأبدع سلوكاً، كما أبدع شعراً، كما أبدع قيماً، ولهذا السبب، فإن من يلج متحف زايد الوطني، فإنه يلج بحر العلوم فيه المعالم، مآثر تاريخية، بصمة زايد الخير تبدو عليها كأنها الوشم على جيد ونحر.


