ليس مثل ليالي لندن وباريس حنواً على المتخاصمين أو «الأعدقاء»، وحدها ليالي تلك المدن تفرض عليهم هدوءهم وتعيد صياغتهم على هواها، وتجلب لهم مسرات يتمنونها أن لا تنتهي، فيها تتحول المتاريس إلى جسور من الرغبة والإغواءات، وتحيل الذين كانوا يتباهون بالملابس العسكرية المموهة إلى رجال على هيئة «جنتلمان» متأنق، مشذب اللغة، ويطرح نفسه كإنسان متحضر، وراقٍ في تصرفه، ويمسي التراشق بالنيران إلى التبارز بالكرم والمبادرات السخية، متمنياً كل فريق أن يكون المنتصر في ساحة تلك الليالي المتجلية نجومها.
وسواء أكان أولئك المتخاصمون من ذوي الأفكار والأيديولوجيا المسيّرة، ويتنابزون بالألقاب الأكاديمية أو كان المتخاصمون من ذوي المال وأرباب العمل والمتاجرة بالقضايا أو كانوا خصماء تواجهوا على أرض النار والرماد، في تلك الليالي قد يكون الصلح على يد امرأة لا تفهم ما يقوله المثقفون المثرثرون الثائرون، ولا يهمها أن تعلن عن فهمها لحاصل ضرب جداول رجال الحرب، وقسمة المال، وجمع حصيلة المنفعة الخاصة، ولا تدري عمق معنى تلك الحرب الدائرة بين شارعين في مدينة بائسة أو نقطة حدودية، وتوزيع الغنائم يمكن أن يسكت قذائف المدافع، المهم أنها ببراءتها وجمالها تصلح ما بين المتحاربين، وتجعلهم مطيعين لينين متفاهمين، وهو أمر يعجز عنه عُتاة الساسة، ودهاقنة العلاقات الدولية، ومبعوثون دوليون ظلوا يجوبون السماء بطائرات خاصة مستأجرة.
أولئك المتخاصمون قد تجمعهم الطاولات ذات المخمل الأخضر، وهي ميدان آخر سلمي وأخضر، وكل ما يراق على جوانبها تلك العملات الأجنبية الخضراء، والتي لم يكدوا فيها، ولم يتعبوا غير تعب تلك المغامرة الوحيدة حين قرروا أن يتمترسوا خلف أيديولوجيا واهية، ويتحزبوا خلف تنظير لا يبني الأوطان، ويتأزلموا عند أول المنقضين على الغنائم، وأول الفارين عند الهزائم.
المتخاصمون نهاراً، «الأعدقاء» ليلاً، كثر ويتكاثرون خاصة في ليالي الصيف الأوروبي أو الشتاء في بلدان الشمال، لا يجمعهم مثل نغم وطعام ومتعة متناهية، ونساء حاكمات الوقت من الجهات الأربع، وحدنا الشهود على النزاع والتنازع والخصام والتخاصم نبقى متجمدين من الدهشة، ونأسف على الشد والأزر السابق والهتافات العالية المجانية التي جرحت حناجرنا، وجعلتنا أسيري جهلاء كانوا يدّعون الوعي، ومحاربين جبناء، ومنظّرين يعشقون المال أكثر من الفكرة النبيلة.


