دائماً ما يراودني هذا السؤال المُقلق.. هل أنا فعلاً كما أتصور؟! هل القيم التي أتبنّاها وأدافع عنها هي حقيقتي فعلاً، أم مجرد صورة أحب أن أصدّقها عن نفسي؟!
كثيراً ما نظن أننا نؤمن بالعدالة، ونحترم الاختلاف، ونؤمن بحرية الرأي ونتعامل بإنصاف وإنسانية مع الآخرين. نتبنّى هذه القيم ونصوّر أنفسنا بها، ونحب أن يشار لنا بأنها صفاتنا الأصيلة. تمضي الأيام والسنوات ونحن على قناعة تامة بهذا، وذلك لأن الحياة اليومية تمنحنا فرصاً مريحة لنبدو كذلك. ولكن.. وخصوصاً عندما تُصبح هذه القيم مُكلّفة، وثمنها باهظاً.. هل تبقى هذه القيم قابلة للتطبيق؟!
لا تمضي الحياة بالناس على منوال واحد، مهما بدا لك هذا الأمر ممكناً في ظاهره، فالحياة بالغة التعقيد، ولا يمكن المراهنة على عطائها المريح، فمصادر التهديد لا حدّ لها، الخوف على النفس، على الأبناء، على الوطن، كلها احتمالات حاضرة في مسيرة البشر. وقتها تصبح تلك القيم محلّ شكٍّ حقيقي، ويصبح السؤال الموجع، هل كانت توقعاتنا عن قيمنا التي اعتقدناها راسخة، أم أنها لم تكن سوى أخلاق هادئة لم تُختبر بعد، وتحت تهديدات كالإزعاج والأذى والخوف.. ظهرنا على حقيقتنا؟!
تُعد تلك الظروف القاسية اختباراً لمنظومة قيمنا، لن يختلف على ذلك اثنان. غير أنها ليست اختباراً لحقيقتنا الأخلاقية التي نمارسها في كل التفاصيل اليومية الصغيرة، عندما نسمع للآخر المختلف ولا نقصيه، عندنا نكون عادلين حتى من دون أن يراقبنا أحد، وقتما نمارس المساواة حتى مع الأغراب، وعندما نسامح في أذى ونحن نملك حق العقاب.
ربما لا تكشف الكوارث حقيقتنا كاملة، لكنها تكشف على الأقل المسافة بين ما نعتقده في أنفسنا، وما نحن عليه حقاً. وربما.. - وهو ما أجده أكثر رأفة بالنفس- أن تلك الظروف القاسية تشوه القيم، فنحن تحت الضغط نتصرف بدوافع لا تتوافق مع طبيعتنا متأثرين بالصدمة والخوف والانهيار، واختبار القيم في هذه الحالات، ظلم حقيقي لا يتناسب مع إنسانيتنا!


