زارتني صديقاتي ذات يوم وجلسنا نتحاور في شتّى المواضيع، كأخبار الحروب والمآسي التي توغل بالحزن في القلب. وقلت لهنّ: لنصمت عن ترديد هذه الأخبار الرديئة، وانصتوا إلى معاني الحب في الأدب العربي. 
وحين صار الحديث يدور بيننا عن الحب نهض الجمرُ في القلب، وفي العقل حيرة من رأى ومن مسّهُ الشغف، وانتحى ركناً صامتاً، وغاب في لجّة الشوق والحنين، عندما خضهُ الوجدُ، قالوا عن الحب كلاماً، لو جمّع غطّى الكون، ولو نُقش في الثرى أينع الشجر والورد، ولو رُسمَ، على خريطة الوجود، كان أقطاراً بلا تضاريس ولا حدود: قلت: كل ما قلتم جميلٌ، وبعض ما قلتم شحيحٌ وغير واضح، وبعضه لا يبلغ الكمال.
قلن: قولي إذن واسهبي..
قلتُ وكان في شغاف القلب لجّة، وفي العينين بحر، وفي اليدين حسرة الفقد، وفي الروح توقٌ يبلغ الذُّرى: ما الحب إلا الخبلُ، وهو اكتمال الرشد، هو الطلاسم في الغموض، وهو الوضوح والبهاء، هو الحياة بعد موت، وهو الفناء في الفناء، هو الذبول واليباسُ والهطولُ إذا سخت السماء، هو الظلام إذا اكفهر، وإذا انجلى هو الضياء، هو الخضوع والتمرد والمروق والولاء، وهو معاني الكبرياء، هو النقائضُ توحّدتْ، وتفرّقتْ كأنجُمِ السماء وتمازجتْ في الكون كالكيمياء، وحين نفترق يصير كالأنين من النصال، وحين نبتعد ينهض التنهد في البكاء.
هو العذوبة في الماء الزلال، ومرارة الملح في البحر، هو الريح إن عصفتْ، وإن هدأتْ هو الرفيف، هو التماع النجم في الأفق البعيد، وهو انسياب الضوء في ألق رهيف، هو التجوهر في حجر العقيق، وهو كالألماس الذي يكتمُ سرَه فيفضحهُ البريق، هو الصعود إلى قمم السعادة حيناً، وحيناً هو الانحدار إلى العدم، هو الذهاب إلى الجنون، وهو الإياب إلى الحنين، هو العواصف حين ترجُّ في العمق المياه في البحر أو في النهر، وهو النسيم حين يرقُّ بالموج إلى أقصى مداه، وهو النّدى يُقبّل الأشجار والورد والياسمين حين يشحُّ بالماء المطر، هو العذاب إذا نأى، وإذا دنا هو الحياة!
مضوا في الصمت وأطرقوا.
وحين انبجست ظلالُ حسرةٍ، همسوا كمن يحاذرُ الإبحار ويخشى الغرق: 
{الحب قلب ينفطر، وهوى يرجُّ فننكسر!}