يقول خليجنا، بصوت رخيم كأنه الموجة في عزِّ رخائها، متى تسكن العاصفة؟ متى تنام الموجة قريرة العين هانئة، من غير ضجيج، ولا عجيج؟ متى تتحرر السواحل من الهدير ومن الزئير، وتمضي القوارب نحو سبيلها، تبحث عن زُعنفة، ترفرف كأنها الأعلام في عيد ميلاد الطمأنينة، وينجلي الغضب، وتنقشع سحابات الهستيريا إلى الأبد، لا ادّعاءات ولا زبد، ولا غرور. 
يقول خليجنا، ومهجة أفئدتنا، هذي السواحل تبحث عن صمت يكلّل رملها بالفرح، والمحارات تسير بلا عويل، ولا صهيل، بل تبدي الحمامات هديلاً يملأ وجدان البحر نشوة، ويملأ الموجة بياضاً. يقول خليجنا، يجب أن تستريح القوافل، وتشرب قهوتها العربية برخاء، وتأتي لحظة تلاشي الكذب، ولحظة تمادي الأدعياء، وبلوغهم حدّ الجبروت ويقول خليجنا: هيا، اكتفت سفن السفر البعيد من التجلد صبراً، والموجة تحرس زمانها والبحر يمدُّ اليد، لكل العشاق، يقول: ها قد مضيتُ الشهور، وقد امتلأت الأيام بفعل طائفة سبرها الكذب، وسيرتها التداعي سراً لأجل مشاريع محتملة، ولكنها في الأصل مجرد بلبلة، وجلجلة، يُبتغى من ورائها النفخ في قِرَب مثقوبة، وأوانٍ صدئة، ولا جدوى، ولكن الكذبة تكبر، وتكبر، حتى صار الكذب، مفاعلاً وهمياً وغباراً أصفر، يشبه حُمّى العجائز في آخر مراحل العمر. 
يقول خليجنا، هذه مياهي، وهذه موجة، لم تزل تشم رائحة الذين عشقوا البحر، ولم تهن عليهم محارة، يقلق منامها هدير كذبة، وزئير جولة، من جولات ماراثون الخداع، والضباع الجائعة. يقول خليجنا، دعوا البحر، للبحّارة، وأما الزبد فلن يكون له من مكان سوى مراحل ما بعد الفراغ. سمعتُ في هذا الصباح قولاً مضحكاً، ومبكياً، مفاده أن الكذبة انتصرت، فإذا بي أقع على الأرض من شديد السخرية، فكيف ينتصر مهزوم، ولا مصير له غير الانصياع للأمر الواقع وقبول الهزيمة كما قبلتها النازية ومعها الفاشية. 
أليست هذه حقيقة تدمغ الواقع بمجريات وأحداث مرت من هنا، من ساحلنا الأغرّ، وعبرت المضيق ريانّة بالمشاهد التي تقول إن إمبراطورية الشر ومخالبها وأذيالها وأتباعها وحبالها المهترئة قد انطفأت شعلتها الوهمية، ولم يبقَ لها من أثر سوى رميات تشبه شخير مريض بالربو، أو مُقعَد أتعبه المسير على قدم وعصا. يقول خليجنا، بعض الأذناب مثل من يزحف وراء اللظى يظنه نار شواء، لعله يفوز بلقمة، أو نعمة من جحيم حرب البسوس، ولكن لا جدوى، لا مناص من اتباع الظل، ظل إمبراطورية هزمتها كذبتها، ولم تزل تماطل، وتدّعي، وتراوغ، ولكن الحقيقة تظهر أوضح من وجه الشمس، والعالم يتابع هذه المهزلة، وإمبراطورية الشر، وأتباعها ينظرون إلى المرآة كما كان (نرجس) يفعل، فيعجبون، في تعاطيهم، ويعجبون بقوّتهم الوهمية، والساعة الآن آخر الوقت، والحساب، فيه عقاب، لمن يتأخر عن موعد العهد الجديد. 
وإنْ لم تُجب تلك السلحفاة، فقد يكون المصير، كما هو مصير الناقة (البسوس).