لا يمكن أن يقول أحد عنها إلا أنها كانت راضية، مرضية، ومهادنة الحياة، ولم ترجُ منها غير لحاف الستر، وأن تمضي أيامها دون أن توجع أحداً، كانت تعيش بين ثلاث نخلات، وشجرة سدر كبيرة، يقال إنها كل ما تبقّى لها من أملاك أبيها «الهنجري» الذي تقاسمه إخوانه، كان عريشها تظلّله تلك الأشجار المثمرات، رضيت بذاك المكان محتسبةً أجرها ورزقها على الله، تاركةً أعمامها يتطاحنون بينهم، سادة باب عريشها دونهم، قائلة: أهلي وأعمامي الناس وجيراني، أما الذي من لحمي ودمي، فحرام عليّ معيشتهم ومعايشتهم!
كانت تلك السدرة يبدأ من تحتها صباحها، ولا تقطع جلستها تلك إلا لصلاة الضحى والظهر، ولتبدأ من جديد بعد العصر حتى ما قبل المغرب وقبل أن تغيب الشمس. تجلس بالقرب من «الصريدان» مركبة الحطب ودلالها، و«مقفلة» الرطب أو التمر تحاذيها، هي ليست لها، بل لكل الناس والعابرين والمشترين منها شيئاً من بضائعها البسيطة أو مجالساتها من النساء أو من يردن أن يترزّقن من بيع بعض حاجياتهم، كان يسعدها ذلك، ولا تعدّه قطع رزق، إنما كريم رزق، حتى بعض الغرباء العابرين، تمنحهم من أرضها مكاناً قصيّاً حتى تقضى حاجاتهم أو يبيعوا ما جلبوه لتلك الواحة التي كانت أسواقها مفتوحة ومتنقلة لكل طالب رزق حلال.
كانت تلك السدرة، حديث الناس، لأن الخير تحتها والرضى في جوارها، كم ظلت من ناس من كبير القوم حتى أصغرهم، وكل من اشتهى أن «يقصرّ الدوب» أو «يقند» رأسها من قهوة تلك المرأة المرضية، كان الجميع يسوق لها ما تجود به نفسه، ويرى أنها بحاجة إليه دون سؤال منها، ولا منيّة منهم، كانت قهوتها المطحونة تأتيها من دكان «بن صالح» و«ميواها» من بيت الشيوخ، وطعامها يصلها من بيوت الحارة، كانت النساء يجلسن في نهارها وتقول كل واحدة: اليوم غداؤك عندي أو اليوم «بطاعمك» من غدائنا أو يتعلثن بأي كلام لكي لا تشعر بحرج، كأن تقول واحدة: والله إن «أبو فلان» أمس حلف عليّ أن أرسل لك غداءك! كانت تسمع ويضحكها ذاك من قلبها، وتعرف رنّة قول أي واحدة، لكنه يشعرها بتلك البرودة التي على الفؤاد، والتي لا تعني إلا الحب والود.
كان الجميع يتذكرها، ويتذكر عريشها، ويتذكرها وهي تهرم تحت ظلتها، حتى حين جاء الواحة الجز، وظهرت تعويضات القص، وغادر معظم الجيران، هي لم تترك المكان، ولم تبرح ظلة تلك السدرة، ولا مؤانسة نخلاتها الثلاث، بقيت وحيدة في ذاك المكان، وانشغل الناس، وكبرت الحياة، وتغيرت بعض النفوس، لكن الذين كانوا يمرون عليها مرة في الأسبوع صاروا يأتون بالشهر، ثم بالأعياد، ومن يتذكر تأتي به الجمعة، ومساءات رمضان، حتى جاء ذاك اليوم حين وجدها مَن تذكّرها ذاك الصباح نائمة على سجادة صلاتها فاقدة الحسيّة، وباردة أطرافها الضعيفة، يومها شيّعتها أم سبع البلادين كلها، ودفنوها في «قصيده» تتبعها الدعوات والرحمات.
العجيب أن بعد وفاتها بأشهر ماتت تلك السدرة «العودة»، وتبعها ظلها، والنخلات الثلاث المؤنسات شعرت بالفَقد، وشرعن في اليباس والغياب!


