سمة الخليج، وشيمته، وقيمته لم يكن الخليج العربي مجرد بحر، نصطاد في لجته الغذاء الأوفر حظاً في حبنا، وشغفنا، بل هذا البحر، نحر وصدر، وقمر أنار لجج حياتنا، وأضاء المهج، الخليج له في قلوبنا سحر البدايات، ونهاية المدى، مزروع في ترب، وعشبة النهار التي كانت ترتع ازدهاراً، كلما طافت سفن السفر الطويل، عند أطراف، الكواحل، وكلما مرّت أشرعة عند مضائق نياط، وحركت النوازع، وهزت جذوع النخل في القلوب، كأنها تاريخ تعانق أجنحة الطير، وكأنها النسائم تداعب خصلات عبر المحيط، عند نوافذ الوجنات الرضية.
هذا البحر، ليس بحراً، وإنما هو ترياق محبة، للذين مروا عند سواحله عاشقين، تكتبهم مواويل الضحى، وهم يسجدون خشوعاً لأصوات مرقت بين أعشاب المشاعر، كأنها الفراشات تتسرب بين وريقات الزهر، تبغي العطر تبغي السهر عند أروقة الجمال. هذا البحر ليس بحراً، ولا يعرف كنهه، الذين يمزقون سكونه بضجيج الشعارات، تمرق بين موجاته، مثل طفيليات، تبعث على التقزز، وتثير الاشمئزاز عندما نسمع عن شبح كائن حدق، وتمطق، أغلق، نافذة الوعي وأسهب في التطبيل، وتمادى خبالاً، وبالغ في العويل.
هذا البحر ليس ميدان سباق، ولا هو مركاض ركاب عرجاء سئمت من ويح العطب. هذا البحر ليس للذين يطفون على سطحه، مثل أسماك نافقة، هذا الخليج وجد لكي يزين الأحلام، ويملأ جعبة الأيام بالأمل الزاخر بالفرح، وأمنيات ترتع في صدور العشاق مثل غزلان نشوى، مثل فراشات تصفق للحياة، تغني النوارس طرباً، للجمال.
هذا الخليج ليس للساهرين على نعي خرافة ونشر مآتم التاريخ، بفصوله الحيرى من سيل دماء الحقيقة، والحقيقة تصطف اليوم إلى جانب العشاق، وليبق الكارهون، مثل ببغاوات يرددون مواويل الأسى، والخسارات، والفقدان وضياع الهوية، وعدمية الوجود. هذا الخليج صناعة بديهية، للذين يرسمون الابتسامة، ولا يدعون، ولا يفترون، ولا ينسجون (التقية) مثل بيوت عنكبوت مهزومة، ولا يسكبون الأكاذيب مثل ثعالب مرت بصحراء، ولما اصطدمت بالخوف، تلبدت عند نواصي الخديعة، وهمدت نافقة، جامدة حتى يمر الخوف، ثم ترفع رأساً، وتظل تشرخ الأفق بصراخ يشبه النعيق.
هذا البحر، رفيق لسواعد مرت من ضفتيه ولم توهن، ولم تعهن، بل مرت، ومرت، والرواية التاريخية تقول، إن الخليج العربي أحب من يحبه، أغرق قوارب البغي، ولتبقى شاهدة على خيانة الضمير الإنساني، وتبقى عبرة لكل من يهوى الأفلام الكرتونية وألعاب القوى، وأبطال التسلق على جليد الكذب، والخداع البصرية. هذا البحر أحب مواويل مرّت على شفاه الموجة فمنحتها اللحن، والشجن، منحتها الفن، وكل ما يشيع الأمل. هذا البحر، ليس بحراً هذا البحر قصيدة كتبت على دفتر التاريخ بلسان عربي لا هفوة فيه، ولا زلة.


